كيف عارض نزار قباني نفسه في هَمْسَةُ الحُبٍّ … تقرير أدبي بقلمِ/ مدحت صلاح


كيف عارض نزار قباني نفسه في هَمْسَةُ الحُبٍّ … تقرير أدبي بقلمِ/ مدحت صلاح

“فإذا وقفتُ أمامَ حُسنِكِ صامتًا… فالصمتُ في حَرَمِ الجَمالِ جَمالٌ.
كلماتُنا في الحُبِّ… تقتلُ حُبَّنا… إنَّ الحروفَ تموتُ حين تُقال”.
هكذا كتب «نزار»، وشدا «كاظم» (إلى تلميذة).
عندما تقرأ أو تَستمع إلى تلك الكلمات، يَتراءى لكَ من الوهلةِ الأولى أنها من أجملِ ما قيل في الحُب، وستتمعّنُ في هذه الأبياتِ بولَهٍ لحظاتٍ في مَحبةِ بحورِ «نزار»، ثم تلجأ، بعد سَكرةِ الشعر، إلى إعمالِ العقل رويدًا… رويدًا، وستسألُ نفسك:
هل كانت فعلاً هذه الأبيات وصفًا صحيحًا لحالِ الحُبِّ في مُخيلةِ المُحبين؟
وهنا تبدأ المراجعةُ النفسية، ذلك أن الشعورَ الإنسانيَّ العامَّ حين الارتقاءِ في الحُبِّ وعالَمه، يكون في البحثِ عن الكلماتِ الدافئةِ التي تُعبّر عنه؛ فالكلماتُ رُسُلُ المُحبين، تُحيي الشعور، وتُذيبُ ثلوجَ التردّد، وتصنعُ طيشَ العاشقين الحالم… تُروّج لهم الأحلامَ التي تجعلُ واقعهم ألطفَ، مهما كان قاسيًا.
فمن أين جاءَ ذلك اليقينُ الشموليُّ لشاعرِنا الكبير بأن كلماتِ الحُبِّ تقتله؟!
وكيف يَصفُ النقّادُ هذه الأبياتِ بأنها الأجمل؟!
ألا يأتي الجمالُ من الشعورِ به؟!
ومَن قال إنَّ الصمتَ في وجهِ الجَمالِ يُجمّله؟!
فالصمتُ يأتي لحظةَ استدراك، فتكون المعادلةُ العاطفية:
[حُب+ إدراك= بوح]
أليس من حقِّ الجَمال أن يُثنَى عليه؟! أن يعرفَ أنه مُقدَّرٌ ممن يَدنُو منه باختيارِه له؟! أن يستمتعَ بمدحٍ أو غَزَلٍ أو وَصْفٍ؟!
إنها أبجدياتُ القُربِ أو التقرّب. فالكلماتِ لا تقتلُ الحُب، والصمتُ لا يُرَوْنقُ الجَمال!
فقط إذا كنتَ فنانًا في صمتك؛ كنتَ مُبدعًا عند الكلام.
وحقًّا، للصمتِ فنّ، ولكنْ… للحديثِ ألفُ لسان!
ودائمًا هناك فنُّ التوقيت؛ فالكلامُ حين ينبغي الصمتُ حماقة، والصمتُ حين ينبغي الكلامُ خذلان. فكثيرًا عَلىٰ حائطِ المُباحِ واللا مُباح..
غالبًا مَا تتَحطمُ الرَّغبةَ في البَوْحِ!!
إنَّ الحروفَ تُبعث من جديد حين تُقال في موضعِها، حين تُلقى على مَن يرغبُها، حين تمتلئ شغفًا وحيويةً واستحقاقًا.
فكم قتلَ الصمتُ عشقًا وحُبًّا وإعجابًا، كان الفعلُ سيّدَه!
وكم أفنى الجَمالُ جوعًا للأحرفِ وانتظارًا!
وكم أذابَ الغيابُ مُتَعًا وأرواحًا!
فالصمتُ هو صوتُ الموت.
وكم أحيا الحديثُ قلوبًا أنهكها الصمتُ وقتلَها السكون، وبعثت الكلماتُ عمرًا كان عتيًّا!
فلا الصمتُ يُمتِع، ولا الجمالُ يَنتظِر، ولا الحروفُ تموتُ على أُذُنِ التوّاقين.
فالفعلُ يَتعاظمُ بمدحِه، والخيالُ يُصبحُ واقعًا بوصفِه.
فالمجدُ للكلماتِ، وإن مَجّدَ «نزار» الصمتَ بالفعل، فلماذا خطَّ في دفاتره كلَّ ما كتب؟!
حقًّا، قد يكون قصدَ «نزار» أن الكلماتِ تعجز عن وصفِ المكنون، فيكون الصمتُ أبلغَ،
ولكنْ، بالتأكيد، إذا طال… كان موتًا مُحقَّقًا لهذا الحُب.
وقد تُحيينا قطرةُ غيث!
فكم من حُبٍّ دُفِنَ في مقابرِ الصمت.
وإذا كان الحالُ كذلك، فقد عارضَ «نزار» نفسَه أيضًا، كما ذكر آنفًا في مطلع القصيدة على لسان المرأة:
“قُلْ لي – ولو كذبًا – كلامًا ناعمًا.. قد كاد يقتلني بكَ التمثال!”.
أو قد تكون مراجعةً لنقلِ وجهةِ نظرِ المرأة، كذلك، وعرضَ الرؤيتين.
ثم عاد مرةً أخرى وغنّى «كاظم» أيضًا:
“قولي أُحبكِ… كي تزيدَ وَسامتي”.
ولكن، كما غنّى «كاظم»، شدَت أيضًا «فيروز» برائعتِها:
“قولي أُحبُّكَ.. لا تَمَلِّي
فالصَّمتُ عنوانُ التخلِّي
قدْ قُلتِها وأعدْتِها
لكنَّها لم تُشْفِ غُلِّي
لي في سَمَاعِكِ نَشوةُ الصُّوفيِّ في غَمرِ التجلِّي
ولكلِّ بَوحٍ لذةٌ بِكرٌ كفجرٍ مُستَهِلِّ”
وهكذا هو حالُ الرجل، ولكن حالُ المرأة أبلغُ وأعمق.
الحُبُّ عند المرأة ثلاثيةٌ مقدَّسة؛
المرأة تُريد أن تستشعر الحُب، وأن تسمع كلمةَ حُبّ، وأن تراه فعلًا على أرضِ الواقع.
وإذا كان الفعلُ هو “فُصحى” الحُب،
فإن الكلماتِ هي: “نقاطُه وتشكيلُه وعلاماتُ ترقيمِه”.
وقد يزرعُ الحُبَّ كلمةٌ، ويقتلَعُه كلمة،
والأُذنُ هي العاشقُ الأكبر،
فمن يرى أن الحروفَ تموتُ إن قيلَت؟!
الكلماتُ هي وقودُ الحُب.
كلمةُ حُبٍّ، وقبلَ الموتِ، نستجدي…
كلمةُ حُبٍّ، وبعدَ الموتِ، لا تُجدي..!



