رئيس التحرير يكتب : اليوم العالمي للغة العربية هوية لا تموت … مقال بقلم أشرف الجبالي


رئيس التحرير يكتب : اليوم العالمي للغة العربية هوية لا تموت … مقال بقلم أشرف الجبالي

في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، تتزين المنصات الثقافية والعلمية في العالم للاحتفاء باللغة العربية في يومها العالمي، ذلك اليوم الذي أقرّته الأمم المتحدة عام 1973 عندما اعتمدت العربية ضمن اللغات الرسمية الستّ في المنظمة الدولية. يومٌ ليس للاحتفال الشكلي فحسب، بل للتأمل في واقع لغةٍ حملت رسالة السماء، واحتضنت علوم الأرض، وكانت لقرون طويلة لغة العلم والفكر والحضارة.
اللغة العربية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي الوعاء الذي حفظ هوية الأمة العربية والإسلامية عبر قرونٍ من التحولات التاريخية. فهي لغة القرآن الكريم، واللسان الذي به كُتبت أمهات الكتب في الطب والفلك والفلسفة والرياضيات والأدب، حتى أصبحت في العصور الوسطى لغة العلم في العالم كله. تعلمها الأوروبيون لينهلوا من علوم المسلمين، وترجموا منها إلى لغاتهم مؤلفاتٍ فتحت لهم أبواب النهضة الحديثة. كانت العربية إذًا لغة الريادة والابتكار، لا لغة الماضي فقط.
لكن المؤسف أن هذه اللغة التي صاغت عقول العلماء وألهمت الفلاسفة، تواجه اليوم ضعفًا غير مسبوق في الاستعمال والتعليم، وتراجعًا في مكانتها حتى بين أبنائها. فالكثير من الكبار لا يتقنون التحدث بها، والصغار لا يستخدمونها إلا داخل الفصول الدراسية، بل إن الخطأ في نطقها وكتابتها أصبح مشهدًا مألوفًا في الإعلام والتعليم وحتى في بعض المؤسسات الدينية والقضائية. أما الشباب، فقد وجد بعضهم في ما يُعرف بـ“الفرانكو آراب” وسيلة عصرية للتعبير، فيكتب العربية بحروف أجنبية دون وعي بما يمثله ذلك من إضعافٍ لهويته اللغوية.
لقد أصبحت العولمة وتقدم التكنولوجيا سلاحًا ذا حدين؛ فمن ناحية قربت المسافات وسهلت التواصل، لكنها من ناحية أخرى جعلت لغاتٍ أجنبية تهيمن على حياتنا اليومية في الإعلانات والتعليم والحديث العام، وكأن العربية لم تعد قادرة على مواكبة العصر. لكن الحقيقة أن اللغة لا تضعف إلا بضعف أهلها، ولا تموت إلا حين يتخلى عنها أصحابها. إن الأمم التي تحترم نفسها تحترم لغتها أولًا، لذلك نرى الألمان واليابانيين والفرنسيين يتمسكون بلغاتهم في التعليم والإدارة والبحث العلمي، في حين لا يزال بعض العرب يربطون التقدم بإتقان اللغات الأجنبية، وينسون أن لغتهم هي الجسر الذي يوصلهم إلى العالم بكرامة.
في السنوات الأخيرة، حاولت بعض المؤسسات الدولية والعربية إعادة الاعتبار للغة العربية، إذ أطلقت منظمة اليونسكو عدة مبادرات ضمن مشروع “اللغة العربية في العصر الرقمي”، الهادف إلى تمكين العربية في التقنيات الحديثة وتعزيز وجودها في الذكاء الاصطناعي ومحتوى الإنترنت. كما بدأت دول عربية عدة بمراجعة سياساتها التعليمية والإعلامية لتقوية حضور اللغة في المدارس والجامعات والمنصات الرقمية. ورغم أن هذه الخطوات لا تزال في بدايتها، إلا أنها تبعث الأمل بأن العربية قادرة على استعادة مكانتها إذا توفرت الإرادة والوعي.
إن الدفاع عن اللغة العربية ليس قضية ثقافية فقط، بل هو مسألة أمن قومي وفكر ووجود. فحين تضعف لغتنا، تضعف هويتنا، ويتلاشى ما يجمعنا من قيمٍ وتاريخٍ ومشاعرٍ مشتركة. اللغة ليست مجرد كلمات تُقال، بل هي ذاكرة أمة وروحها. ومن يفرّط في لغته، يفرّط في نفسه وتاريخه ومستقبله. لذلك فإن الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية يجب ألا يقتصر على الندوات والخطب، بل يجب أن يتحول إلى سلوكٍ يومي يبدأ من البيت والمدرسة وينعكس في الإعلام والفضاء الرقمي.
يا أبناء العربية، لغتنا ليست عبئًا من الماضي بل مفتاح المستقبل، وليست حاجزًا أمام التطور بل وسيلة لإبداعٍ جديد إذا أخلصنا في استخدامها واعتززنا بها. فلنجعل من هذا اليوم العالمي نقطة انطلاق نحو عهدٍ من الوعي والفخر والانتماء، ولنردد دائمًا أن العربية ليست مجرد لغةٍ نتحدثها، بل هويةٌ نحيا بها وكرامةٌ لا تزول.
وهنا، وبهذه المناسبة العزيزة، لا يفوتني أن أتوجّه بخالص الشكر والتقدير إلى أسرة جريدة وموقع “على باب مصر” على اهتمامهم الدائم باللغة العربية وفروعها، وحرصهم على إبراز جمالها وقوتها من خلال ما يقدمه الموقع من مقالاتٍ وأبحاثٍ رصينة، يشارك فيها نخبة من الكتّاب والأدباء والشعراء والنقاد والمفكرين الذين أخذوا على عاتقهم مهمة النهوض بهذه اللغة العظيمة، وصون مفرداتها، والاهتمام بالنحو والصرف والبلاغة، ليظل اللسان العربي فصيحًا نقيًا كما أراده الله. فلهم مني وافر الشكر وجزيل العرفان.
رئيس التحرير
أشرف الجبالي
