“بنطلوني فى خطر” … قصة قصيرة بقلم محمد كمال سالم

زرار البنطلون معلق على فتلة واحدة ، سيقع لا محالة وأنا في عملى، هل أوقظ زوجتي لتخيطه لي قبل ذهابي؟
لا، لا داعي ودع اليوم يمر.

أحكمت عليه حزامي وأغلقت سترتي الشتوية، تمام لا مشكلة، وذهبت إلى عملي، يوم مشحون كالأيام التي لاتمر في سهولة، أشغال كثيرة لا تنتهي، نال مني ألتعب، وتأخرت وفاتني أتوبيس الشركة، سأستقل الأتوبيس العام وأمري إلى الله.
لملمت أوراقي وأشيائي، أُعدل هندامى.

اه، وقع الزرار بالفعل، تناولته من على الأرض، أحكمت حزامي من جديد، وضعت الزرار فى جيب قميصي ومعه خمسة جنيهات أجرة الأتوبيس.
الوقت متأخر والأتوبيس مزدحم، ركبت بصعوبة بالغة، بالكاد وصلت للمكتب الصغير الخاص بالكمسري فى آخر العربة، أُناوله الخمسة جنيهات فسمعت صوت وقع الزرار علي مكتبه الصغير، رحت افتش سريعًا بأصابعي بين دفاتر تذاكره ونقوده المبعثرة عليه، فنهرنى الكمساري بشدة قائلا( بتعمل إيه يا أستاذ ؟) _أصل الزرار بتاع البنطلون وقع وأنا…أنا، لا عليك مش مهم.

تركته خجلآ أحاول أن أتشبث بأي شىء حتى لا أقع، السيارة مزدحمة جدا، حتى هم رجل أمامي بالتحرك للنزول، فأخذت مكانه وأمسكت بظهر الكرسي الذى أمامي، وما أن رآني الرجل الجالس عليه حتى بادرني قائلاً ( أيوه شفت اذاي لبست تقيل من البرد ؟) فاجأنى قوله وقلت:
أيوه صحيح الدنيا برد. قال ( أنا اللي قلتلك عاملي فيها عيل صغير ؟! ) دُهشت لأمر هذا الرجل ، لا أظن اني أعرفه أو رأيته من قبل ، أُحملق فيه جيدًا وقد تجاوز الخمسين من عمره ، شعره المهمل ، حلته الباليه يبدوا وأَنه لم يغيرها منذ فتره طويلة ، ياقة قميصه وأساوره المتسخة تخبر بأنه ليس هناك من يقوم علي رعايته، لكن ابتسامته الحانية ونظرته الودودة جعلتني ألفته سريعًا فبادلته حديثه وكأني أعرفه.

يستطرد فى حديثه:
( المدينة اتغيرت وبقت جميلة ) سألته ، انت مش من هنا ؟
(لأ.. أنا جاي عند اخويه ، كلمته وقلتله أنا جاي اشوف الولاد ، وهو قاللى أصل عندهم مدرسه الصبح بدري ، قلتله أنا حاشوفهم وانزل على طول ، الولاد وحشونى)
اشاح بوجهه إلي النافذة ينظر خارج السيارة يواري انكسارًا ، ثم عاد ليقول:

( الولاد بيحبونى جدًا، حاشوفهم وابوسهم وانزل على طول ) ثم اضاف ضاحكًا رغم دمعة برقت بمقلتيه
( حتى مش عايز اتعشى ) ثم هب واقفاً يستعد للنزول بعد أن نادى الكمساري باسم محطته وقال (سلام ) قلت سلام

جلست مكانه أنظر إليه وهو يغادر متسائلآ :
ما حكايتك ايها الرجل ؟
ومتى تقوم بزيارتك الثقيلة على أخوك ومتى تعود من حيث اتيت ؟!
ثم من أنت؟!
لم أفق من حيرتي إلا علي صوت الكمسري يرفع إحدى يديه فى الهواء عاليآ يصيح متسائلاً:
الاستاذ الى كان بيدور علي زرار البنطلون، ياللا ٱخر الخط وٱخر عربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى