كتاب في سطور : “رواية : أنشودة دموزي الأخيرة” للكاتب : أ. نبهان رمضان – قراءة انطباعية بقلم أ. مريم الراشدي

عند تناولنا لهذا المنجز السردي للروائي نبهان رمضان، فإننا نطرق العتبة فتنفتح أبوابها على مصاريعها للغوص في مكنون ثلاثيتها اللفظية ظاهريا والرباعية إضمارا إذا اعتبرنا أولى مفرداته خبرا لمبتدئ محذوف تقديره “هذه”.. ويبقى العنوان مبهما لعدم مصادفة أي إشارة لفظية مباشرة إليه إلا على آخر صفحة من صفحات هذه الرواية “أنشودة دموزي الأخيرة”.. بعد أن نكون قد خضنا غمار القراءة وانهينا الرواية فاتضح المعنى والمراد.. ولذلك لن أخوض فيه إلا بعد التعرض لفحوى الرواية كاملة..

فتح نبهان ستارة هذه الرواية على مشهد جنائزي فريد.. وعنون المقطع الافتتاحي بـ “جنازة خائنة” ذكر خلاله “إنانا” وتطرق للمتوفاة دون ذكر اسمها واكتفى بالخوض في ما كان بين ساردنا محمود وبينها من أسرار بالغة الخصوصية إذ رغم كونها متزوجة ورغم تواجد زوجها وأبنائها في حياتها اليومية، كانت تعيش مغامراتها معه.. في البدء لم نُطلَعْ على الدوافع، لكن هذا الجانب الشائك من العلاقات “الرضائية” هو الموضوع المحوري في الرواية لما يكتنفه من سرية وما يستدعي من استفهام وفهم وتفهم أو رفض..

لم يكن محمود يرى العالم السفلي والجنازة والحزن في هذا المشهد الكبير إنما كان يرى العالم العلوي، عالم المشاعر والجمال الروحي فبالنسبة له الأبيض كفن وفستان عرس لأن كلاهما زفاف إلى عالم ومرحلة أخريين.. في حين للسواد الأعظم طقوس يلتزمون بها للتعبير عن الحزن ولا سبيل لذلك إلا باحترام “القواعد الذهبية” المتعارف عليها مع وجوب احترامها احتراما تاما وبصرامة استثنائية.. إنها طقوس الموت من غسل وتكفين وصوان عزاء ومواكب نقل إلى المدافن وعملية دفن كذلك..

ثم ينزلق بنا الكاتب في الفصل الثاني “مجذوب نجمة السماء المتوهجة ” ليبحر بنا في عوالم محمود وعلاقاته النسائية الماجنة تارات والمتسمة بشهامته ومواقفه الرجولية رغم الخطيئة مرات أخرى..

في هذا الفصل، قدم لنا نبهانُ محمودَ في مرحلة ما بعد الثانوية العامة.. يعني مرحلة (18+) وتساءل عن أحقية الشباب في الوقوف مع الإناث والتحدث إليهن دون أن يُحتسبَ عليه سوء تربية أو قلة حياء من المنظور العام في الحضر.. (ص. 15) في تنبيه إلى فيصلية المرحلة العمرية والفكرية والتي وضع روائيُنا محمودَ بين معقوفتيها إذ فيها تُبنى شخصية الإنسان وتصاغ بوضوح وتصقل بحرفية حسب الظروف التي تبلورها ومدى وعي الشخص واتساع تجاربه وعمق فكره وعلو أو تدني تعاطيه مع ما يجري حوله في محيطه القريب أو البعيد.. محليا وخارجيا سواء كان هذا المحلي وهذا الخارجي داخل أرض النشأة أو أحدهما داخلها والآخر.. وقد توسعت هذه الفكرة بعد هذا الفصل من خلال شخصيات كـ”أمنية” و”سارة” وأحداث كلقاءات الشباب مختلطين في إحدى الشقق لَتبرهنُ على جدية هذه الفوارق بين أهل الريف والمدن جغرافيا وعقلياتهم اجتماعيا وموقع الجامعة في تحديد بعض معالم الفكر لذا هذه الفئة العمرية، على وجه الخصوص، تقبلا أو رفضا.

أخذنا نبهان عبر محمود إلى عوالم النساء المختلفة من أنانا إلى صويحبات نجمة السماء المتوهجة إلى الموظفة البيضاء بالكلية إلى نعيمة صديقة أمه فالسمراء فالمنقبة إلى غالية إلى أمنية إلى زوجة أب مكرم/أخت صديقه عبد المولى فسناء وعلى رأس اللائحة كانت أمه والتي كانت متفتحة الذهن جميلة الفكر.. أخذنا بين ثناياهن.. إلى مواطن ضعفهن وأسبابه، إلى لحظات قوتهن.. وبين القوة والضعف تكمن الذكورية وتتسيد.. حتى في لحظات الهوان منها..

عرج بالتوازي على عوالم الرجال فتناول عينات منتقات كان هو بطلها مع كل من الشيخ زكريا والحاج عبد الغني والمنشد بدار الطريقة الشاذلية والشيخ علي والعم عليش والعم الرزق والحاج صالح والدكتورين نزيه ومايكل وغيرهم وكل وحكايته وكل كيف يقدمه محمود، ونبهان في الخلفية، ويجعلنا نستوقف عنده من فكر أو تصور أو تصرف أو قديم مغامرة حياتية أو رومانسية..

مواضيع الرواية ثنائيات متضادة عبَّر عنها روائينا نبهان رمضان باحترافية عالية من خلال تقنية تعدد الأصوات (پوليفوني).. عبر شخصيات تتراوح أعمارها بين الشباب في مراحل الرجولة الأولى ومنهم على الخصوص ساردنا وبطل روايتنا محمود، والشيخوخة في مراحل عمرية متوسطة كالشيخ زكريا أو متقدمة كالشيخ صالح.. كما تناول عوامل صقْل شخصيات هذه الشخوص كلٌّ على حدة وما أفرز من خيوطِ ومسارات فكر أصحابه وتفاعلهم مع محيطاتهم الاجتماعية والسياسية ومع الظروف المستجدة كمحمود ونعيمة وأمنية وعبد المولى وغالية على سبيل المثال لا الحصر..

أهم هذه المواضيع تراوحت بين الحب والكره، بين الحياة والموت، بين العدم والخلود، بين القديم والمعاصر، بين الذكورة والأنوثة، بين التصوف والتحرر، بين التحفظ والمجون، بين الروح والجسد، بين صرامة الريف وتجاوزات المدن، بين الأخلاق والميوعة، بين الجهل(الشعوذة) والعلم، بين الطيبة والعنف.. بين الشهامة والخذلان، بين الأمانة والخيانة، بين الصمت والجهر، بين الصدق والكذب، بين الضبابية والوضوح.. بين القرب والبون، بين المقبول والمرفوض، بين الشرود والانتباه، بين الخطيئة والتوبة، بين التيه والحذر..

لقد رسم روائيُنا بذكاء “أنشودة دموزي الأخيرة” على خلفية مقولات لكل من شمس الدين التبريزي وفريدريك نيتشه ليضعنا نحن قراءَه في موقف المقارِن بين التصوف من جهة والنزعة العدمية من جهة أخرى.. فبثّ مساحات لاستكشاف تعقيدات النفس البشرية وتحولاتها عبر الزمن والعلاقات، ودسّ أفكاره بخصوص التيارات الفلسفية والفكرية السائدة والمتعارضة في أغلب الأوجه والأحيان..

عمد أديبنا إلى سكب هذه الرواية في قالب الأسطورة الأولى لإلهة الحب والجمال في بلاد الرافدين، إنانا/عشتار وقرينها دموزي، دوموزيد الراعي/تموز، كما فعل جان أنوي في مسرحية أونتيگون لسوفوكل ومن تناولوا الأسطورة في إبداعاتهم الأدبية ليصبغ عليها من الآنية ما يناسبها من أفكار وليتفادى التطرق المباشر لقضايا عصره ويطرحها على القراء في حلة ثانية.

الثيمتان المهيمنتان في الرواية هما الموت/الحياة والحب/الجنس.. وقد عالجهما نبهان بكثير من الغوص في عشتار حيث إنها ليست فقط رمزا للحب ولكن للتدمير كذلك وفي “دموزي المخدوع دائما”، (أصبحتُ قربانا لك طواعية. أهواكِ، الحياة بدونك موت إذِ الموتُ فداء لخلودكِ أجدى نفعا ص. 13). في كل علاقاته الغرامية، كان محمود هو المفعول به، “المحركَش به” في حين كانت كل من نعيمة وزوجة أب صديقه مكرم بطلتا اللجوء إليه وسخائه العاطفي معهما رفقا بهما ومواساة لهما في المقام الأول آخذا بعين الاعتبار ظروفهما القاسية المفروضة عليهما من طرف الزوجين الفظين واللذين يسيئان معاملتهما حتى إن الثانية أحرقت نفسها في تعبير صارخ عن رفض ما تعانيه وعدم الرغبة في العيش بالمرة. (داخل المرأة هناك دوما عبد وطاغية مستترين… ص 166)، وهذا طبعا على الخلفية الإسلامية يعتبر زنا ولا في “محمود” من سيميائية الاسم كاستحقاق لرضا الآخرين وثنائهم ومدحهم له إلا وضاعة وتقزز في أحيان كثيرة.

لكن تجب الإشادة، على الرغم من كل ذلك، بعلاقته مع أمه إذ ضحى بدراسته مدة من أجلها في جميع مراحل مرضها على مدى أيامها الأخيرة وخاصة مشاهد نقلها للمشفى.. وبشهامته مع زوجة أب مكرم أواخر أيامها بعد أن أحرقت نفسها ولم يرد أحد استلامها على أساس أنها كفرت بفعلتها تلك، مع ابن خال أمه الكبير إثر ما أصابه من قهر جراء ما بدر من أمنية وهي وحيدة أبيها (وهي ليست ابنته في حقيقة الأمر، هي ابنة الشيخ زكريا، من صلبه.. باعترافه.. ص-247، (وهذا باب واسع تتداخل فيه وتتحامل على الشيخ زكريا فكرة الشعوذة من أجل الحمل من طرف أم أمنية من جهة وفكرة التحرش في ذهن أمنية من جهة أخرى.. وهما كلتاهما آفتان اجتماعيتان كبيرتان، فكيف إن كان وزرهما وسقوطهما على نفس الشخص ولا ملاذ له منهما غير الصمت))، دون أن نغفل موقفه الداعم لصديقه عبد المولى عندما صادفه بائعا للبن على طاولة ثم فوجئ به وقد صار إرهابيا..

تجدر الإشارة كذلك إلى ذروة وحدة محمود/دموزي في ثلاثة مواقف:

  • بعد زواج غالية دون علم مسبق منه “جلست معهم شاردا… لكنها تريد الزواج” ص-199،
  • بعد رحيل أمه “الفراق مصيري الذي يلازمي..”، “كل شيء حولي فقد معناه”… ص. 265،
  • وبعد رحيل نعيمة “ها أنا أحيا وتستمر الحياة في حجرات الموت..، موت نعيمة أخلى الدنيا من حولي، لم يعد أحد بجانبي، الكل هجر حياتي، الكل خواء، الكل أصبح قد كان” ص-279.

بين موت أمه وموت نعيمة كان موته.. الحب الفطري والحب “العذري”، تساءل عن الخلود فوجد الأبدية في الله عز وجل، فهل تتم الاستنارة عبر التصوف ؟

ومع هذا الحب كان هو “الدموزي” فكرا وأسطورة وحياة..
هنا نعود لتقنية السرد الدائري فنفهم الفصل الأول من الرواية ومنها نفهم القصد من الـ”أنشودة” ولم هي “الأخيرة” ولمن كانت.. ونفهم مقصود العتبة وفحوى الرواية برمتها ومعنى الأبيض بين كفن الموت وفستان العرس وعمق هذه الأنشودة التي كان يغنيها في سره لإنانا/عشتار ..

سلمت الأنامل أديبنا وروائينا الكبير نبهان رمضان ودام الإبداع المائز..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى