في شهداء  قرية (كفر السنابسة ) – محافظة المنوفية : يوم الحذاء … قصة قصيرة بقلم أحمد فؤاد الهادي



أربعة أيام وتنتهي الإجازة الصيفية ويعود للمدرسة، يعيش خيالا مستمرا منذ أن وطئت قدماه مدرسة القرية قبل ست سنوات، عندما أنهى عامه الدراسي الأول تخيل أن الإجازة الصيفية مثل دكان يرعاه موظفون وعمال يتوافدون في آخر أيام العام الدراسي لفتح دكانهم للتلاميذ ويدعون الأطفال للدخول ليوزعوا عليهم ما يستمتعون به طوال إجازتهم، فيسارع الأطفال بالدخول مرحين فرحين، فمنهم من يفوز بدمية جميلة أو لعبة تتحرك ومنهم من يفوز بعدة أيام يقضيها بالمصائف مع أسرته وغيرهم يفوزون بجولة سياحية في العالم الخارجي، وهناك آخرون لا يتبقى لهم سوى أن يعملوا ويكدوا في الحقول من الصباح الباكر حتى الغروب ليعيلوا أنفسهم وأسرهم التي كابدت طوال العام الدراسي لتضمن لهم أقل القليل من الأكل والشرب طوال العام الدراسي. كان عمل هؤلاء أيضا ضروريا ليوفروا ما يلزم استعدادا لعام دراسي آت بعد حين. صاحبنا كان دائما من هذه الفئة الأخيرة التي لم يكتب لها إلا الشقاء.
قال لأمه وهو يهم بالتهام آخر لقمة في طبق الجبن الشهي الذي وضعته أمامه هو وأخته ذات السنوات الأربع:

  • لا تنسى يا أمي فغدا موعدنا للذهاب إلى المدينة لشراء الحذاء الجديد كما اتفقنا، لقد أبلغت الريس اليوم أنني لن أذهب إلى العمل مع الأنفار غدا، أما أختي فلنتركها عند خالتي تلعب مع بناتها فهي مازالت صغيرة ولأتقوى على هذا المشوار.
    نظر إلى أخته وربت على كتفيها وهو يزين لها البقاء عند خالتها حتى يعود وأمه من مشوار الغد. كان الليل طويلا، ولكنه أيضا كان جميلا. لم يستغرق في النوم رغم شقائه في الحقل طوال اليوم. تناثرت حوله خيالات لعشرات الأحذية بأشكال مختلفة. عاش بينها ومعها سعيدا جدا حتى خيل إليه أنه واحد منها. كان مستلقيا على ظهره في الغرفة الوحيدة المظلمة. لم يكن يشعر بوجود أمه واخته المستغرقتين في النوم إلى جواره. أخذ يقارن كل الأحذية الجميلة التي تداعب خياله:
  • ترى أيها تقبل صحبتي خلال السنة الجديدة مقابل الجنيهات القليلة التي تستطيع أمي أن تدفعها؟
    حسم النوم القضية.. أغمض عينيه مبتسما.. ونام حافي القدمين.
    الميكروباص يشق طريقه بين المزارع مثيرا خلفه سحابات كثيفة من الأتربة.. اختار أن يجلس بجوار النافذة.. أمه تلاصقه.. يشعر بدفئها.. بل يشعر أنه يجلس في صدرها وليس على هذا المقعد القاسي.. يعرف كل ما يمر به من طرقات القرية. حتى هذه الأشجار يعرفها بالواحدة.. إنه نفس الطريق الذي تسلكه شاحنة المقاول الضخمة البغيضة كل يوم ما بين القرية ومواقع العمل بالحقول.
    شد ظهره إلى المقعد وألصق وجهه بزجاج النافذة والسيارة تمرق بمحاذاة الرشاح.. هاهي شاحنة المقاول تقف فارغة والأولاد والبنات منتشرون بحقول القطن وقد أحنوا ظهورهم يلتقطون لطع الدود من شجيرات القطن الغضة..
    لمح بعضا من وجوههم.. إنهم أنضر وأجمل من القطن نفسه.. هل يبدو هو أيضا هكذا عندما يكون ضمنهم؟ سؤال غريب طرأ على خاطره للحظات ثم تلاشى.. ولكنه كان سعيدا.. ود لو نزل وانضم إلى زملائه.. ولكن اليوم هو يوم الحذاء المنتظر.
    خرج الميكروباص إلى الطريق السريع.. اختلفت كل الصور.. سيارات من أشكال عديدة.. جميلة.. يستقلها أناس منمقون وهي تمرق في سرعة مذهلة.. الميكروباص أصبح مستقرا في سيره. لا هزات ولا رجرجات ولا مطبات.. ولا غبار. لوحات الإعلانات في كل اتجاه.. إنها لبشر غيرنا.. هكذا أجاب لنفسه بنفسه.
    نسي الحذاء الذي بات يحلم به لفترة.. أخذته لوحات الطريق …قرأ بعضها والبعض مر بسرعة لم تمكنه من تحقيقها … فهم كل ما قرأته عيناه: أسماء المدن، إعلانات المنتجات المختلفة إلا هذه اللافتة الغريبة: “اتبع إرشادات المرور” .. كان هذا هو سطرها الأول.. مفهوم ولا مشكلة فيه.. وفي السطر الثاني ” مصر بلدك خايفة عليك ” تعجب جدا من هذه الكلمة ” خايفة ” لو كتبها هكذا في كراسته لعاقبه مدرس اللغة العربية بالتأكيد. شغلته هذه العبارة الغريبة وتوقف عن متابعة باقي اللوحات. ترى من الذي اخترع هذه العبارة العجيبة وما معناها؟ سأل نفسه فلم يجد ردا لسؤاله. نظر إلى أمه. تمنى أن تستطيع القراءة لتقرأ بنفسها هذه العبارة الغريبة.. ولكن هيهات أن تقرأ حرفا… كانت اللوحة قد مرت منذ فترة عندما التفتت إليه أمه في حنان بالغ وكأنها سمعت أفكاره.. أعاد عليها العبارة.. ربتت على كتفه وهي تنظر إليه في إشفاق. عرف ردها عندما لم ترد ” ستعرف كل شيء عندما تكبر”.. لم يشأ أن يرهقها أكثر من ذلك فعاد بنظره إلى النافذة وهو يقول لنفسه “المهم الحذاء”.
    استقبلتهم خالته عند باب بيتها.. شكت من أخته وشقاوتها وكيف أنها ضايقت بنات خالتها، وكيف أنها ظلت تبكي لأكثر من ساعة.
    فتح الصندوق وأخرج الحذاء الجديد.. “مبروك على الأرض” قالت خالته وهي تدفع بناتها الثلاث بكلا ذراعيها بعيدا عن الحذاء.
    عاد وأخته وأمه إلى دارهم، ثلاثة أيام ويذهب إلى المدرسة مباهيا بحذائه الجديد.
    في الصباح.. امتلأت ساحة القرية بعشرات الأطفال.. يفركون النوم في أعينهم بأناملهم الصغيرة.. أجساد صغيرة غضة كتب عليها الشقاء والكفاح.. يتبادلون النظرات دون حديث ويترقبون بداية يوم طويل حافل بالحركة والعمل والعرق. تمنى لو حدثهم عن رحلة الأمس والحذاء الجديد فلم يجد ما يشجعه فابتلع الكلام. أحكم قبضته على لفافة صغيرة في يده وضعت له أمه فيها شطرة خبز وقطعة جبن وجبة لغذائه عندما يسمح لهم بتناول الغذاء في الحقل وقت القيلولة.
    قرر أن ينتظر إلى القيلولة ليحكي لزملائه حكاية رحلة الحذاء التي عاشها بالأمس.
    من بعيد.. لاح غبار كثيف يرتفع إلى السماء مشوها ما رسمه الشروق من جمال خلاب قبل أن يقطع ضجيج شاحنة المقاول سكون الطبيعة المسالمة.
    هاهي تظهر في الأفق البعيد وتلمحها عيون الصغار بكآبة طلعتها وكلاحة ألوانها.. إن كان لها ألوانا.. تجر نفسها جرا.. فأمثالها يرقدون في تلال الخردة منذ سنوات. أخذت تنوح بسرينتها مولولة معلنة وصولها أو أنها كانت فرحة أن وصلت.
    قفز المقاول من فوق المقعد الممزق بجوار السائق قبل أن تسكن حركة الشاحنة ملوحا بعصا لا تفارق يده، فهرولت السيقان النحيلة بلا تفكير يساعدون بعضهم بعضا في القفز إلى الصندوق الخلفي للشاحنة حتى إذا امتلأ.. تراجع كل من لم يفز بمكان فيه إلى الوراء لينتظروا الشاحنة التالية. لكن المقاول صرخ في الحشد المتراجع وهو يسبهم بأفظع السباب ليركبوا وأن يكفوا عن الدلع والرفاهية!
    تدافع المساكين يتسلقون الصندوق من كل جانب حتى اكتظ الصندوق بلحمهم وأصبحوا جميعا كجسد واحد له عدة رؤوس.
    حاول صاحبنا أن يتلفت حوله فلم ير شيئا.. أحس أنه قد حشر في أنبوب ضيق.. تحركت الشاحنة وثار الغبار.. زكمت الأنوف وسدت الأعين.. خضت الأجساد الصغيرة في كل اتجاه بلا رحمة.. لم يخطر بباله الحذاء الجديد.. فلم يستطع أن يتذكر شكله.. اكتشف فقط أن هذا الحذاء أفضل منه حظا.. فله صندوق صنع خصيصا له وعلى قياسه.. لا يزاحمه فيه أحد.
    رفع نظره لأعلى.. لم تعد الأشجار كما رآها بالأمس، فهي اليوم تبدو ذابلة كئيبة تترنح تحت وطأة غبار هذه الشاحنة اللعينة. قفزت إلى رأسه تلك العبارة الغريبة “مصر بلدك خايفة عليك”.. حاول أن يجد لها تفسيرا فجال بجنبات نفسه باحثا فلم يجد إلا سؤلا: “ترى من يخاف على غير أمي المسكينة؟”.
    لمح بصعوبة طريق الرشاح.. لقد اقتربنا إذن من نهاية المشوار. حاول ببراءة أن ينسى كل شيء: الحذاء واللافتة والزحام وشكوى خالته من شقاوة أخته حبيبته.
    كاد أن ينام واقفا أو لعله كاد أن يغشى عليه من الزحام وشدة التدافع والتمايل وهو غاطس بجسده الضعيف وسط هذه الكومة من اللحم. كان يعتقد أنه الوحيد الذي يعاني فأبى أن يئن أو أن يسأل الآخرين عن حالهم.
    الكل يبدو صامدا أو كتب عليه الصمود فصمد مستسلما ومسالما، ترى ماذا يكسب اليوم بعد هذا الشقاء؟
    ما أن استقامت الشاحنة على طريق الرشاح حتى زمجرت وثارت وتمايلت وهبطت وارتفعت فأخذت الأجساد الصغيرة تتطاير في كل اتجاه.. حتى أخذت طريقها منتحرة في مياه الرشاح العفنة، وما أن اطمأنت لنجاح انتحارها حتى انقلبت على ظهرها بعد أن غمرته المياه وتحته ملائكة لم تعطهم حتى فرصة للأنين.
    تحسس رأسه بيديه وهو ملق بجوار أحد الأشجار التي أحس فيها وهي تظلله أنها في روعة أمه وحنانها.
    لم يكن يدري ما حدث.. عشرات المزارعين يهرعون إلى المكان يقفزون قفزا ويلقون بأنفسهم في المياه القذرة دافعين بأجسادهم نبات ورد النيل الكثيف المتشابك على سطح الماء الراكد.. يبحثون عن الملائكة.. ولكن هيهات.
    لمح السائق ذو الشوارب جالسا القرفصاء بعد أن قفز من الشاحنة عندما أيقن أنها على وشك السقوط في الرشاح، لعله يفكر فيما يرد به على زوجته عندما تسأله عن سبب اتساخ ملابسه على هذا النحو وهو الجالس على عجلة القيادة.. فإنه ليس كالفلاحين، تذكر اللوحة العجيبة ” مصر بلدك خايفة عليك “.. مازال حائرا في فهمها.
    النهاية: عناوين ضخمة تملأ صفحات الحوادث.. صور المقاول والسائق وحطام الشاحنة … أسماء الملائكة وكأنها كشف أسماء الفصل في العام الدراسي الجديد.. اتهامات متبادلة.. الكل برئ.. تصريحات وتحركات وصور لمسئولين.. إعانات فورية هزيلة لمن أبوا الإعانة أحياء وآثروا الشقاء، هاهي تفرض عليهم أمواتا.
    في الصباح.. وفي كل صباح.. تزمجر الشاحنات في ساحات القرى.. تمتلئ بضحايا جدد.. يسعون إلى لقمة العيش… وقد يدفعون حياتهم ثمنا.
    ……………………………………..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى