“وصيّة شاعر في زمن لا يقرأ الوصايا ” …..قراءة في قصيدة ” اعتزال ” للشاعر محمود حسن بقلم سمير إبراهيم زيّان

يا أمَّةَ الشُّعراءِ إنِّي مُعتَزِلْ
لا شئ يُدْهِشُ خَلوتي كي أنفعِلْ

فأنا القصيدةُ حين ماتتْ حسرةً
في حُزْنِها وأنا الهزيمةُ والبطلْ

يا ليت شعري قدْ ذبحتُ رسالتي
والسيفُ مغروسٌ وحرفيَ مبتهلْ

هل تعذرون فتىً يودِّع نفسَه
وجِراحُه في قلبهِ لا تندملْ

خُطُّوا على قبري حروفا من دمي
هذا المُضَيَّعُ للمنافي قد رحلْ

لم يرتكبْ ذنبا سوى أشعارِه
فلتحرقوا من رحمةٍ ذنب الرَّجلْ

ما كتبَه الشاعر الكبير محمود حسن عبد التواب هنا ليس مجرد قصيدة ، بل وصيّة قلبٍ ذاهبٍ إلى خلوته الأخيرة .
إنه لا يصرخ ولا يتوسّل ، بل ينسحب بكرامة شاعرٍ أدرك أن الأرض لم تعد تصغي للكلمات ،
وأن الشعر الذي خُلق ليوقظ الناس ، قد أصبح يُقرأ كترفٍ ثقافي على مقاعد البلادة .

دعنا لا نُمارس النقد هذه المرّة ، بل الإنصات….
إنه صوت شاعرٍ يتسلل من فجوة في العالم ، ويكتب من مكان لا يراه أحد ؛
لا لأنه مختفٍ ، بل لأن العيون عميت عن كل ما ليس سطحيًا .

في قوله :

“يا أمة الشعراء إني معتزل”

لا نفيٌ للشعر ، بل للواقع الذي لم يعُد يحتمل شاعرًا .
إنه انسحاب الروح من سوق اللغة المزدحمة بالتقليد والتسطيح .

“فأنا القصيدة حين ماتت حسرةً / في حزنها وأنا الهزيمةَ والبطلْ”

ما أعظم هذا التناقض الشريف !
الشاعر هنا لا يعرض بطولة ، بل هزيمة نبيلة ،
هزيمة شاعر لا يزال يُراهن على القصيدة في زمنٍ ينتصر فيه الضجيج على الصمت ، والسخرية على المعنى .

هذه ليست قصيدة تنزف ، بل قصيدة تنزفنا نحن .
لأننا نحن المذنبون في تخلي هذا الرجل عن صوته ، لا هو .
ولأن الشعر لم يمت، بل نحن الذين لم نعد نستحقه حيًّا ، فقرر أن يترك لنا رمادَه في شكل أبيات .

حين يقول :

“لم يرتكب ذنبًا سوى أشعاره / فلتحرقوا من رحمةٍ ذنب الرجل”

فهو لا يستعطف ، بل يُعلن ببساطة فاضحة أن القصيدة قد تحوّلت إلى تهمة ،
وأن كل من يقول الحقيقة صار عليه أن يختبئ ، لا أن يُنشر .

هذه القصيدة ليست رثاءً لذاته ، بل مرآة معلّقة أمام كل شاعر
ما زال يكتب في غرفةٍ معتمة ويؤمن أن الضوء سيأتي .

إنها بيان استقالة من وظيفة “الاهتزاز” في عالم لم يَعُد يشعر ، لكنها أيضًا وصيّة أمل مقنّع ،
تقول لمن يفهم :

لا تترك الحرف حتى لو أُحرقَ جسدك به .

الصمت هنا لا يليق….
لكن التأمل واجب .

فيا محمود حسن عبد التواب ، إن كنت معتزلاً ،
فاسمح لنا أن نبقى خلفك لحظة…. نرتّق ما تبقّى من ذواتنا بقصائدك .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى