نصرٌ لا يشيخ ….قصة قصيرةبقلم نوال احمد رمضان


نصرٌ لا يشيخ ….قصة قصيرةبقلم نوال احمد رمضان

كعادته، يجلس ناصر أمام صندوق خشبي قديم.. يفتحه بعشق؛ فتنبثق منه رائحة بارود ممزوجة بعبق الانتصار.. يلمس حبات رمال القناة التي التصقت ببدلته العسكرية؛ فتتحلق روحه.
وفي برواز صغير تقبع ورقة نتيجة صفراء تحمل تاريخًا لم ولن يغادر ذاكرته أبدًا: ٦ أكتوبر ١٩٧٣.
يحتضن التاريخ بعينيه؛ فيسمع هدير المدافع، والتكبيرات تهز عنان السماء، وصرخات الفرح تعانق القناة.. تتسابق دقات قلبه مع وقع أقدام الجنود لحظة اقتحام خط بارليف… كل خطوة صغيرة صنعت معجزة كبيرة.
ذلك اليوم العظيم حفر ذكرياته في عقل ناصر وقلبه؛ فلم يفرّط في بذلته التي التصقت برائحة المعركة، ولا في ورقة النتيجة التي شهدت ميلاد يوم مجيد.. وكان يردد دائمًا:
“هذه الورقة ليست مجرد تاريخ على جدار… إنها شاهد عيان على استعادة حريتنا وكرامتنا.”
وفي كل عام، يوم السادس من أكتوبر، يحتفل ناصر بالنصر بأسلوب مبتكر.. مرة يوزّع الأعلام على الأطفال ويقف بينهم يحيّون العلم بأصوات مجلجلة، ومرة يرتدي بدلته العتيقة ويسير في الحارة رافعًا رأسه مبتسمًا؛ فيحييه الجميع كأنه عائد للتو من المعركة منتصرًا.
وأحيانًا يجلس مع أحفاده، يروي لهم حكايات الجنود وتضحياتهم واستشهادهم، ويحكي عن دموع الفرح، عن لحظة رفع العلم.. يرتجف صوته، وتلمع عيناه، ويشرق وجهه… فتلمع عيونهم بدهشة وفخر.
ورغم أنه كان دائمًا يحتفل بلا ضجيج، إلا أن من حوله كانوا ينبهرون بقدرته على إبقاء النصر حيًا لا يشيخ… مذكّرًا إياهم أن البطولة ليست يومًا نحتفل به فحسب، بل روحًا نحيا بها كل يوم.


