مزاد علني : المشهد العبثي… مقال بقلم سيد جعيتم

لا توجد نقطة لا عودة؛ فهناك دائمًا الطقوس الدبلوماسية التي تخلق ثغرات تتيح العودة للقاء مجددًا تحت مظلة التفاوض، مع الكرم العربي الحتمي.


خلف الكاميرات، ومع الولائم الفاخرة، تسود بين المتفاوضين الضحكات، ووعد بجولة تفاوضية وهمية جديدة. وأمام الكاميرات، وجوه ترتدي أقنعة عابسة.
في غزة، يسقط الناس شهداء، يُقتل الأطفال والنساء، تتناثر أشلاء الأبرياء دون توقف. تجاوز عدد الشهداء حاجز الستين ألفًا، أما الجرحى، ممن فقدوا أعينهم أو بُترت أطرافهم، فقارب عددهم مئتي ألف.
وغدًا تبدأ جولة تفاوض جديدة… جولة لا تهدف إلى حل، بل إلى استمرار الأزمة، لأن نهايتها تعني انهيار الطرفين: سقوط حكومة نتنياهو وسقوط حماس. فيجب أن تبقى النار مشتعلة، ويبقى الضحايا مجرد أرقام.
ما حدث في السابع من أكتوبر لم يكن مجرد غفوة أمنية، بل كمينًا محكمًا حيكت خيوطه داخل أروقة الموساد. منفذوه: مقاتلو حماس، دون أن يدركوا أنهم يؤدون دورًا في مسرحية صهيونية.
من عطّل الأسوار الإلكترونية؟ من أمر الحراس بإغماض أعينهم؟ فجأة، باتت الحدود مفتوحة، فتدفقت العناصر المسلحة داخل المستوطنات. حدث ما لم نتوقعه نحن، لكنه لم يكن مفاجئًا لمن رسموا الخطط في غرف العمليات الإسرائيلية. كانت النتيجة: قتل، وخطف، تم تصويرها ونشرها عالميًا.
نعرف عدونا عندما يتباكى ويصرخ ويقنع العالم بأنه كيان ديمقراطي مظلوم وسط وحوش همج. صرّحوا بأنها محرقة جديدة.
اتهموا مقاتلي حماس بجرائم لم تقع: قطع رقاب الأطفال، اغتصاب النساء، تعذيب وحشي للمختطفين.
كعادتنا، هللنا لما حدث، رغم علمنا بردود الفعل المدوية عالميًا، والتي تصف العرب والمسلمين بالوحشية والبربرية.
المفاوضات مستمرة… والقطاع ينهار، ورائحة الموت تنتشر، والحلول غائبة، لأن لا أحد يريد الحل.
تخطيط السابع من أكتوبر ابتلعته حماس، وسعدت إيران بتضخيم دورها. أجاد المخططون حبك خطتهم، وبرع المنفذون في تنفيذ رغبة المخططين، دون أن يعلموا أنهم وشعبهم ضحية. العملاء ، والخونة في أرضنا كثيرون؛ يرصدون الخطوات، يحصون أنفاس الزعماء والعلماء. وتصريحاتنا الكثيرة سقطات، وكلها هدايا للموساد. ويعزز هذه الهدايا رفضنا لكل الحلول والمقترحات، فيلتقطها العدو، ويواصل القتل والتدمير.
ما زالت المباحثات والمفاوضات العبثية تُعقد، وما زال الناس يموتون.
ضخّموا دور الكيان الفارسي ليضربوا به استقرار المنطقة. تركوا لإيران الحبل على الغارب لتنفذ أجندتها التي تتفق مع أجندة الكيان الصهيوني في التوسع والانتشار. عاثت أذرعها فسادًا في المنطقة، وكان التخطيط البارع أن ينتهي دور إيران وأذرعها بتنفيذ كمين السابع من أكتوبر.
قطاع غزة دُمّر، الجنوب اللبناني خُرّب، اليمن ضُرب، سوريا اجتيحت، وإيران نفسها دُمّرت مفاعلاتها النووية. وكل ذلك حدث تحت غطاء “محاربة الإرهاب”.
وتحت مظلة محاربة الإرهاب، شاركت الولايات المتحدة إسرائيل في الحرب، إمّا مباشرة بطيرانها، أو بإمدادها بالأسلحة والتقنيات، وتزويد طائراتها المغيرة بالوقود. وتحت ذات المظلة، تم تكوين تحالف دولي أوروبي، فشاركت إنجلترا وفرنسا وألمانيا في القتال وحماية الكيان الصهيوني.
الرئيس الأمريكي يتعامل كتاجر: يريد استلام غزة مدمّرة، ليحوّلها إلى منتجع فاخر. أما الكنيسة البروتستانتية الأمريكية فتؤيد قيام إسرائيل الكبرى، إيمانًا بعودة المسيح المخلّص.
في مجلس الأمن، خمس دول فقط، اعتراض إحداها كافٍ لإسقاط أي قرار من خلال “الفيتو”. ولو كان القرار بموافقة كل دول العالم؟
وسط هذا الجنون، لم تنجرّ مصر خلف ما خُطّط له. قرأت المشهد، ووقفت بصلابة في صف الشعب الفلسطيني، منعت التهجير، رفضت الإغراءات المالية، حمت القضية من الانهيار، وقدّمت ما لم يقدّمه غيرها. لا يوجد بيت في مصر إلا وفيه شهيد من أجل فلسطين.
اليوم، تُهاجم مصر من قبل من يسعون لإثارة الجماهير بالكلمات الجوفاء التي لا تسدّ جوعًا، ولا توقف نزيفًا. لا مقارنة بين ما قدّمته مصر وما زالت تقدّمه، وبين من يرفعون الشعارات دون عملٍ يفيد القضية.
أنا أدعو إلى نهج جديد في التعامل مع القضية الفلسطينية: نهج يعتمد على ضمير الشعوب، على إدراك الحقيقة، وعلى الضغط الشعبي على الحكومات.
هناك تغيّرات ملموسة: فرنسا تعلن نيتها الاعتراف بحل الدولتين في سبتمبر 2025، وإنجلترا قد تتبعها. فلنغتنم الفرص، ولنوضح لهم عنصرية الكيان الذي لا يفرّق في القتل بين فلسطيني مسلم وفلسطيني مسيحي.
ولنفضح جرائم المستوطنين التي تُرتكب تحت حماية الجنود.
ليتنا نستفيق قبل أن تضيع القضية تمامًا.
بقلم: سيد جعيتم
جمهورية مصر العربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى