” ما بين الوجدانية وعمق الذات الوطنية “…. قراءة نقدية لقصيدة “مصر…” للشاعرة إيمان حجازيبقلم حسن غريب أحمد – ناقد روائي شاعر


مصر… شعر عامية بقلم إيمان حجازي

أنا الفاضی وأنا القاضی وأنا السرحان بانادیکی
وأنا العایق وأنا الرایق مانیش مشغولة غیر بیکی
وأنا الأول وأنا الآخر وأنا الوسطانی وحدانی ِ وأنا الهیمانة فی عینیکی
أنا زارع تقاویکی
وأنا حاصد شواشیکی
وأنا السهران وباتمنی ألاقی الفجر وألاقیکی
أنا ناقش تاریخ حواریکی ع الجدران
وراسم نصرک الغالي ومآسیکی
وأقول تاني
علی إیدیکی
على عينيكى
على نبع الأمل فضة
ومن نيلك
تاريخ الدنيا إتوضى
وصلى وصام
وهام طاير
على قباب البيوت تنطق بإسم الله
وأنت مسبحاه فى علاه
أنا هو الكليم أيوه
أنا برضو المسيح هو
وأنا الخاتم بإذن الله
على إسمك عشقت السمر وجمالهم
ومن عطرك لضمت الفل تاج يضوي على راسهم
يا راسمة للمحبة طريق
وواخدة الكل كله صديق
وواخدانى حبيب هايم وزارعة الخير فى وجدانى
وأمد إيديا فى نهرك ِ ونهرك خير ِ يجود بالخير ِ يا أم النيل يا عايقة ومعجبانية
سواد ليلك ضفاير حب ِ حرية ِ
وعمرك مرة ما كنتِ يا حلوة سبية
يا فاتحة القلب للخلان وواخدة الكل بالأحضان وقايلة الجودة بالموجود
ولا قدر التاريخ ييجي هنا عليكى
ولا غادر سبى عينيكى
وهامتك عالية على المدنة
واسمك غالي يا بلادنا
يا مصر يا ضي عين الكل
يا زارعة الفل
وحاصدة القمح ويا القطن
أنا ليكى
وكل حروفى تفديكى
ودق القلب دايب عشق مواويلك، سما ليلك
وفجرك جاى ِ وجايبانى
مع الخلان
وراسمة قلبي شمساية لكل زمان
أنا شمسك ِ دفا ليلك ومشتاكى
وتشتاق روحى لسناكى
فتحبِى لحد نور بابك
وأغسل ايوه بدموع عيني أعتابك
وأتوضى
بعطر جبينك الفضة
وأنوى صلاة
صلاة عاشق
تقول الله ِ
تشوف النور على إيديك
ما أنا وليدك
وأنا حفيدك
وأنا اللى هيبدى ويعيدك
ويسهرلك
يبشر بالغرام حتى حصى أرضك
ويبدر بالهيام غيمة ِ
تكون فى أصلها كريمة ِ فتسقيكى وترويكى ِ
ويطرح خير أراضيكى
يا نن عينيا ِ أنا منك ِ
أنا ليكى
ولو بردان ِ ماليش غير حضن فى عينيكى
ولو عطشان ِ
حروف اسمك دى نبع حنان
هيروينى ِ فأرويكى
ولو يوم يا حبيبتي أكون
ِ فى آخر الكون
تنادینی ِ فى سر السر ِ
او حتى بعلو الصوت ِ
وصوتك يسرى فى الملكوت ِ
يسمعنى ِ
فى تو التو أكون حاضر
أنا المملوك أنا المالك
أنا المأمور وأنا الآمر
وحاكم بالوداد أمرك ِ
وانا بأمرك
أقول مولاتى شوبيكِ ولبيك
” ما بين الوجدانية وعمق الذات الوطنية “…. قراءة نقدية لقصيدة “مصر…” للشاعرة إيمان حجازي
بقلم حسن غريب أحمد – ناقد روائي شاعر

تُعد قصيدة “مصر…” للشاعرة إيمان حجازي نصًا وجدانيًا عميقًا يندرج تحت شعر الوطنيات، يتميز بصبغة صوفية وعشقية تجعل الوطن (مصر) كيانًا معشوقًا، حبيبًا، وأمًا، يتوحد فيه الشاعر والوجود.
1. البنية والأسلوب:
النوع: القصيدة أقرب إلى الشعر الحر أو قصيدة النثر، حيث تتنوع الأسطر في الطول والقافية، وتعتمد على تدفق العبارات ووحدة الموضوع بدلاً من الوزن التقليدي.
اللغة: مزيج سلس بين اللغة العربية الفصحى واللفظ العامي (“السرحان”، “العايق”، “الرايق”، “شواشيكي”، “معجبانية”، “شوبيك ولبيك”)، مما يمنح النص دفئًا وتلقائية وقربًا من وجدان القارئ المصري، ويوظف العامية لخدمة التعبير عن العشق الشعبي للوطن.
الإيقاع: يتولد الإيقاع من التكرار (“أنا الفاضي وأنا القاضي…”) والجناس والترادف، مما يخلق نغمًا داخليًا يضاهي الإيقاع الخارجي للقصائد الموزونة، ويحمل طابعًا غنائيًا قريبًا من المواويل والأغاني الوطنية.
2. الرؤية والمضمون (توحيد الذات والوطن):
تدور القصيدة حول فكرة التماهي المطلق بين ذات الشاعر ووطنه، حيث تتبادل مصر والشاعر الأدوار، فيشعر الشاعر بأنه:
المُطلَق والمُتَجذّر: يستخدم الشاعر ضمير “أنا” في بداية النص ليُضفي على ذاته صفات الوجود الكلي: “أنا الفاضي وأنا القاضي… أنا الأول وأنا الآخر وأنا الوسطاني”، وهي صفات تُحاكي بعض الصفات الإلهية والصوفية، في محاولة لرفع ذات العاشق إلى مستوى القداسة ليصبح مساويًا في الوجود للوطن المعشوق.
المُؤسِّس والمُستمر: “أنا زارع تقاويكي وأنا حاصد شواشيكي”، في ربط عضوي بمراحل الحياة والإنتاج في مصر، مما يدل على عمق الانتماء والاتصال بالتربة والتاريخ.
التجسيد الديني والتاريخي: يصل التماهي إلى ذروته في إشارة الشاعر لنفسه باعتباره الكليم، والمسيح، والخاتم بإذن الله؛ وهي إشارات عميقة تربط الذات بـالرسالات السماوية التي احتضنتها أرض مصر، فيصبح الشاعر هو امتدادًا حيًا لهذه الأديان والتاريخ العظيم.
مصر الأم والحبيبة والقدسية: تتجلى مصر في صورة الأنثى المعشوقة (“عيونك”، “من عطرك لضمت الفل”، “يا عايقة ومعجبانية”)، والأم الحنون (“يا أم النيل”، “حضن في عينيكى”)، والكيان المقدس (“تاريخ الدنيا إتوضى وصلى وصام”، “أغسل بدموع عيني أعتابك وأتوضى بعطر جبينك الفضة”).
3. الصور والرمزية:
صورة النيل: يظهر كنبع للحياة والتطهير والقداسة “ومن نيلك/ تاريخ الدنيا إتوضى”.
السمر والفل: ربط بين جمال النساء المصريات وجمال الوطن (على إسمك عشقت السمر) حيث يتوج الفل (العطر) رؤوسهن.
سواد الليل ضفاير: استعارة جميلة لليل المصري، حيث يتحول إلى رمز للحرية والحب “سواد ليلك ضفاير حب حرية”.
المفارقة (سبية): “وعمرك مرة ما كنتِ يا حلوة سبية”، وهي إشارة تاريخية ترفض فكرة الهيمنة على مصر وتؤكد عزة الوطن.
الشمساية (الشمس): رمز للدِفء والضوء والأمل والدور الريادي لمصر: “وراسمة قلبي شمساية لكل زمان”.
4. عصير رؤيتي النقدية:
القصيدة هي ملحمة عشق وجداني صوفي للوطن. نجحت الشاعرة في صهر ذاتها بالمعشوق (مصر)، والارتقاء بهما معاً إلى مستوى القداسة والخلود والجذر التاريخي والديني. اعتمدت القصيدة على التكثيف الشعري، والصور الغنية، والاستخدام الموفق للغة القريبة من القلب (العامية المحكية).
نقطة القوة: هي صدق العاطفة وجرأة التوحد في اللغة والصورة.
نقطة يمكن التوقف عندها: قد يجد القارئ غير المعتاد على الشعر الوجداني الصوفي بعض الصعوبة في استيعاب التماهي المطلق بين ذات الشاعر والصفات الإلهية/الرسالية التي أُسندت إليها.


