رواية فاتن : (الحلقة السابعة ) – بقلم حسين الجندي


رواية فاتن : (الحلقة السابعة ) – بقلم حسين الجندي

أفاقت ميار على صوت الضابط وهو يستجوبها بحدة وشراسة مبالغ فيها، أنكرت تمامًا معرفتها بالمخدرات، وأقسمت أكثر من مرة بأنها بريئة،طلبت الاتصال بمحاميها، فلم يُسمح لها بذلك، ظلت على هذه الحال لمدة يومين، توقعت خلالهما حضور زوجها أو أحد من أقربائها، لكن لم يحضر أحد.
أثناء الليل، أخذت تتفحص الحجرة المحبوسة فيها، فوجدتها لا تشبه حجرات الحجز التي تراها في الأفلام والمسلسلات، أحست بوحشة رهيبة، فأخذت تضرب بكل قوتها على الباب بيديها ورجليها، وهي تصرخ بكل ما أوتيت من قوة،ظلت تصرخ وكأنها تنادي في صحراء قاحلة خالية من أي دابة، أجهدها البكاء، وظلت على تلك الحالة حتى الصباح، ولم يغمض لها جفن..
فتح الضابط الباب عليها، وبدأ التحقيق مجددا ،مرت ساعتان كاملتان شعرت خلالهما بأن قضيتها حتما ستوصلها إلى حبل المشنقة ،بدأت في الانهيار التام، بركت على ركبتيها، لطمت خديها ،دارت بها الدنيا، فقدت وعيها ،استيقظت، فتحت عينيها ببطء وحذر وهمُّ الدنيا كله يغلف كيانها..
وجدت نفسها في حجرة مختلفة خالية تماما من أي أثاث ، ولا يوجد بها أي نافذة ..
بها مصباح وحيد في منتصفها،و يبدو أن هناك من يراقبها وينتظر إفاقتها..
لحظات وسمعت (خروشة) تشبه مقدمة سماعات الصوت وبالفعل سمعت صوت الضابط يأتي عبرها يقول بلهجة حادة:
موقفك في القضية صعب للغاية يا ميار لقد صدر الحكم الآن بإحالة أوراقك إلى فضيله المفتي تمهيدا لتقديمك إلى منصه الإعدام ..
لقد أنساها كلامه هذا بتلك اللهجة الحادة الحاسمة الواثقة كل ما تعلمته من أن لكل متهم حقه في المحاكمة العادلة المكتملة الأركان ،وهذا ما لم يحدث معها، فظلت تلطم خديها بقوة وتشد في شعرها بهيسترية وتبكي دما بدلا من الدموع وفجأة،عاد الصوت ليردف:
إلا إذا ..
أرهفت السمع وتعلقت بكلمة إلا هذه،وكأنها طوق نجاتها..
نظرت نظرة استعطاف إلى مصدر الصوت وكأنها تستحثه أن يكمل..
لم يخيب ظنها فأردف بصوت بطيء مسرحي مثير :
إلا اذا فعلتِ ما سأطلبه منك ..
ها ..تكلمي..
نظرت إلى مصدر الصوت ببلاهة شديدة وغمغمت:
وههْهَل سيصلك صوتي؟!
أجابها.. لحظات وسأكون معك ومعي مفاجاة كبرى لكِ..
ثوان ودخل الحجرة ومعه شخص كان آخر إنسان توقعته ميار..
استيقظ شاهر في صباح آخر أيام شهر العسل على صوت رسالة على الواتساب الخاص به، وكانت من فاتن. فتحها سريعًا، واتسعت عيناه دهشة، ونهض من سريره فزعًا، فرك عينيه وأعاد قراءتها:
“صباح الخير يا حبيبي، النهاردة للأسف آخر يوم في شهر العسل، مش هخبي عليك، أنا عشت معاك أحلى شهر في حياتي، حسيت معاك لأول مرة إني إنسانة، وممكن ألاقي شخص ما يحسِّسْنيش بأنه قرفان لما يقرب مني، لأول مرة أشعر بأن أحدا يحبني لشخصي ،صدقني، أنت فعلاً خسارة في الحياة اللي اخترتها لنفسك، أنا مش متخيلة أبدًا إن في راجل زيك، وسيم وجان وحبوب، يبيع نفسه لأي واحدة تدفع أكتر، مش متخيلة إنك ترهن حياتك على النصب والغش والاحتيال على القرشانات من النسوان اللي انتهى عمرهم الافتراضي، أو في اصطياد الفتيات الجميلات واستغلال حاجتهن للمال، وجعلهن عجينة سهلة التشكيل في إيدك، وتقدر تحول مسار حياتهم من الطهر إلى الوحل، من النقاء إلى الضياع والخسارة، مقابل عمولات رخيصة حقيرة، حتى ولو كانت بالآلاف..
وطبعًا كنت شايفني صيدة سُقْع، مش كل يوم هيقع تحت إيدك واحدة فيها مال وجمال وشباب وذكاء، واسمها كمان فاتن! بس للأسف، ذكاؤك خانك المرة دي يا حبيبي، ههههه مبروم على مبروم بقى ما بيلفِّش!
عارف وضعك كده بالضبط كأنه بيقول:
“جيت أصطاده، اصطادني”؟مش هطول عليك يا روحي، أنا مش متعودة أدخل في مشروع وأطلع خسرانة، وأنت كنت أحلى مشروع أنا دخلته..
شوف قبل ما أطلَّقك، هقولك على خبر أتمنى إنه ما يقضيش عليك:
أنا حولت كل أرصدتك لحسابي بعد ما هكَّرت حساباتك كلها..
ههههه، معلش، تعيش وتاخد غيرها يا قلبي..
سلام!آه، نسيت أقولك حاجة:
أنا قلبي ضعيف وصعبت عليا، عشان كده دفعت لك حساب الفندق، وحجزت لك تذكرة على أقرب طيارة..تحياتي، زوجتك السابقة:
تونة…
وقف يامن على شاطئ البحر، يفتح صدره لهوائه العليل، صمّ أذنيه عن العالم وفتحهما فقط لهدير الأمواج، عميت عيناه عن كل ما يحيط به، وتفتحت فقط لتتابع الأمواج والظلمة التي بينها، كل ما كان يسيطر عليه يتمثَّل في فكرة واحدة:
كيف يتطهر؟
كيف يلقى الله نقيًا تائبًا؟كان يوقن بأن الله كريم، وفضله عميم، وأن ذلته الوحيدة في حياته بمشيئته تعالى مغفورة..
لكن كيف السبيل؟
شهر كامل مرّ وهو على هذه الحال، لقد نزل وزنه عشرة كيلوجرامات كاملة، وتحوّل لون بشرته إلى صفرة الجادي، وذبل وجهه حتى صار كزهرة لم يُبتلّ ريقها منذ زمن..عاد إلى الفندق، أمسك بجهاز التحكم في التلفاز، وأخذ يقلب بين القنوات وهو شارد، حتى استرعى انتباهه برنامج طبي يتحدث عن مرض الإيدز..
اعتدل في جلسته، وأخذ يتابعه باهتمام بالغ، حتى وصل إلى معلومة تهمه للغاية، وردت على لسان الضيف، وهو أستاذ استشاري كبير في أمراض المناعة، سمعه يؤكد على أنه من الضروري لانتقال مرض الإيدز أن تحدث علاقة كاملة بين المصاب ومن يُنقل إليه المرض..وهنا أغلق التلفاز، وشرد بعقله بعيدًا، وتحديدًا إلى يوم ذهابه إلى فاتن..
لقد تذكر أنه قبلها بفترة كان يعاني من بعض أمراض الذكورة، وقد أخبره الطبيب بأنه يحتاج إلى علاج مكثف ليعود إلى حالته الطبيعية، وهو إلى الآن ما زال يعاني، بل ساءت حالته بعد أن ترك العلاج..فكيف إذًا استطاع إقامة علاقة مع فاتن؟
وهو الأمر الذي لم يفعله مع زوجته منذ شهور!
كما أنه ظل بعدها لفترة يحاول استرجاع شريط الأحداث في تلك الليلة، فتذكر كل شيء بالتفصيل إلا تلك الواقعة..أخذ يعصف بذهنه، حتى تذكر إحدى العبارات التي قالتها فاتن في مكالمتها له بعد الحادث:
“يا حبيبي، ده انت ضايع خالص! كنت فاكراك وَحْش، طلعت ههههه ولا مؤاخذة زي أختي…”أخذت تلك العبارة تتردد في ذهنه كثيرًا، وبرغم كونها من أشد العبارات التي لها وقع سيئ على قلب كل الرجال،إلا أنه شعر بعدها ببصيص أمل ولفحهُ نسيم الخلاص فاستفاق وقرر الذهاب فورًا إلى أكبر معمل تحاليل طبية..
فوجئت ميار بدخول الضابط عليها، ومعه فاتن، وعلى وجه الأخيرة أمارات التشفي في أقصى درجاتها..
وقبل أن تفتح ميار فمها ببنت شفة، بادرتها فاتن بعبارتها:
“كل ما حدث لك فنكوش، هههه… بس ممكن في لحظة أحوّله لحقيقة باتصالاتي.”قاطعتها ميار وهي تهجم عليها بضراوة، وتضرب كتفها بكل ما فيها من قوة، فتحرك الرجل الذي يمثل دور الضابط لينقذ سيدته من براثن ميار، إلا أنها أشارت إليه بعدم التدخل..
ميار: “ليه بس كل ده؟ أنا عملت لك إيه؟”
قالتها وهي تنهار، وتنكفئ على الأرض راكعة.وهنا بادرتها فاتن:
“أيوه كده! الوضع اللي أنتِ عليه ده هو اللي كانت عليه أمي لما كانت عندكم، وذلتوها وقهرتوها يا ظلمة! لحَّستوها التراب وسرَّقتوها، وكل ده عشان إيه؟ عشان بس بنتهم، بنت الحسد والنسب، اللي هي سيادتك، ما تصاحبش بنت الحثالة الحفاة الرعاة… اللي هي أنا؟!”قاطعتها ميار، وقد بدا أنها بدأت تستوعب ما يحدث، وأدركت أن ما تمارسه فاتن عليها ما هو إلا جزء من معاناتها، من عقد وأمراض نفسية تنمّ عن نقص وإحساس رهيب بالدونية.
ميار= “طب وأنا ذنبي إيه؟ أنا طول عمري بحبك، ولما صداقتنا انتهت ما كنتش أعرف وقتها السبب، ولما سألت ماما قالت لي: فاتن بنت مش مؤدبة وهتخليكِ تتعلمي حاجات وحشة،ولما رفضت كلامها، ضربتني، وطبعًا كنت وقتها صغيرة وضعيفة، وما ليش كلمة ولا رأي..”
>
ردت عليها فاتن بوحشية:
“ذنبك يا هانم إنك بنتهم!
وحظك الزفت إن أبوك وأمك ماتوا..
وسابوك تحاسبي لوحدك على المشاريب ..
على العموم :
بُصي، سيبك من الهري ده كله، لو عاوزاني أسيبك، ما فيش غير حاجة واحدة بس هتنقذك من الإعدام،ههههههه… عارفة هي إيه؟”أكملت فاتن بتشفٍ وغلٍ شديدين:
“أنا هصورك فيديو، وأنتٍ بملابس الخدامات، وهتبوسي فيه إيدي، وتقولي: أنا تحت أمرك يا هانم.”ذُهلت ميار مما سمعته، وبمجرد أن استوعبته، قالت:
“طب وهتعملي إيه بالفيديو ده؟”ردت فاتن بدون تردد:
“مش شغلك! إيه رأيك؟ هتتصوري ولا نخلِّي التمثيلية تبقى حقيقة وتلبسي الملابس الحمرا؟!”أُسقط في يد ميار، ونكّست رأسها يأسًا، ثم أومأت بالموافقة…
حصلت فاتن على الفيديو، ولحظات وامتلأت به جميع المنصات الإلكترونية.. أما ميار، فقد عادت إلى بيتها لتقضي أصعب أوقات حياتها، وظلت تبرِّر تبريرًا مريرًا لزوجها، وجميع أهلها، وكل من يعرفها.
استشاط الجميع غضبًا، وبدأوا يفكرون في اتخاذ اللازم ضد فاتن، لكنها، ولمعرفتها بها، رجتهم جميعًا بأن يتركوها وشأنها، فأي تدخل سيعقّد الأمور.
لم تحتمل ميار الموقف ، فصارت إحدى نزيلات المصحة النفسية..
إلى يومنا هذا..


