رواية فاتن : الحلقة الثامنةبقلم حسين الجندي


رواية فاتن : الحلقة الثامنة
بقلم حسين الجندي
رجعت فاتن بعد قطعها لشهر العسل، عادت منتصرة كعادتها، تركت شاهر وهو يغط في نوم عميق، تركته وهي على يقين بأنه سيستيقظ على كابوس لن يفيق من أثره طويلًا..

حرصت للغاية على إغلاق ملف شاهر للأبد، شطبت كل ما يتعلق به لديها، كانت تحاول تسكين ضميرها تجاه ما فعلته ضده، أودعت عقلها مدخلات تدينه لكي تأخذ منه مخرجات ترضيها وتريحها وتُسكن ضميرها؛ فهو في الأخير، مُتسلِّق أَفَّاق يأكل على كل موائد النساء، وهي إن لم تسبقه بخطوة، فالأكيد أنه هو من سيغدر بها؛ فشاهر ليس ملاكًا مُطلقًا ولن يكون كذلك يومًا ما..
استقرت تلك العبارة الأخيرة في مخيلتها وظلت ترددها بينها وبين نفسها حتى ابتسمت ابتسامة الراحة، راحة ضمير أفعى انتهت للتو من فريستها بعد أن أراحت البيئة من جرذ عابث..
بعد أسبوع، استيقظت فاتن على ألم حاد في بطنها، جرت مُسرعة إلى الحمّام وأفرغت كل ما في معدتها، نظرت إلى وجهها في المرآة فوجدت فيه شحوبًا شديدًا، أخذت تبحث في مخيلتها عما أكلته اليوم، لعلها قد تناولت طعامًا ملوثًا، لكنها لم تتناول سوى بعض المأكولات المحفوظة المغلفة، استمر الألم لفترة، فقررت الذهاب إلى الطبيب لتطمئن على صحتها، بعد أن فحصها الطبيب سريريًّا واستمع إلى شكواها، فكّر قليلًا قبل أن يعطيها شريطًا وكوبًا بلاستيكيًّا، وطلب منها أن تذهب إلى الحمّام وتأخذ عينة من البول وتضعها في الكوب، ثم تضع الشريط داخله لمدة دقيقة، ثم طلب منها إحضار الشريط إليه. فعلت ما طلبه منها الطبيب وعادت إليه وكلها قلق، فلم تكن تفهم ما تفعل وما جدواه..
نظر الطبيب إلى الشريط ثم ابتسم لها قائلًا: “مبروك يا هانم، حضرتك حامل”. وقع الخبر عليها كالصاعقة، احمرّت وجنتاها على أثره وارتعشت شفتاها وهي تقول: “الله يبارك فيك يا دكتور، بس حضرتك متأكد؟”
رد عليها بلا تردد: “تمامًا، الأمر واضح للغاية. ولمزيد من الاطمئنان ممكن حضرتك تمرِّي على طبيب نساء وتوليد، وهو هيطمنك أكثر وهيعرفك إزاي تتعاملي مع الحمل، خاصة أن دي أول مرة تحملي فيها”.
شرَدت بذهنها بعيدًا ولم تسمع من عباراته الأخيرة أي كلمة، لكنها استيقظت على توقُّف فمه عن التحرك لتعقب: “حاضر يا دكتور، سلام”.
امتلأت قاعة الفرح عن آخرها بأهل العروسين، ليلة صاخبة بهيجة، السعادة تُغلّف الوجوه..
ناهد تبدو في فستان الزفاف كأميرة خرجت للتو من كتاب “ألف ليلة وليلة”، الفرحة تكسو وجهها الجميل الرقيق، والابتسامة الرائقة التي تتحول في كثير من الأوقات إلى ضحكات صافية تصنع هالة من الفرحة لا يمكن وصفها..
من يراها في تلك الليلة يرى السعادة متجسدة في صورة امرأة..
يجلس بجوارها أجمل عريس( أشرف)، وهو يرتدي بذلته السوداء الأنيقة ذات رباط عنق لامع، وقميصه الحريري الأبيض الذي تحيط بأساوره أزرار ذهبية مرصّعة بالياقوت الأحمر..
وصل الحفل إلى فقرة تتمايل فيها العروس مع صديقاتها على أنغام الموسيقى..
وفي ركن بعيد وقفت فاتن تنظر بحقد وحسد شديدين إلى ناهد وتتخيل نفسها مكانها..
لم تحضر لتشاركها فرحتها، لقد حضرت لترى أفراحًا لم تعشها قط، ولَكَمْ تمنت أن تكون لها أسرة تهتم بها وتختار لها عريسًا تفخر به ويفخر بها..
ذهبت إليها في نهاية الفرح لتُسلم عليها وتباركها، ولأول مرة منذ بداية الفرح ينقبض قلب ناهد، شعرت بعد مصافحتها لفاتن بشيء غريب وكأن جزءًا من روحها ينسحب منها رغمًا عنها..
ظل هذا الشعور يلازمها حتى وصولها إلى بيت الزوجية ،ومنذ تلك المصافحة المشؤومة، وهي تتصنّع السعادة لكن عقلها شارد وقلبها متوجس..
أحس بها أشرف فسألها، لكنها لم تجد إجابة لحالتها تلك، حاول التخفيف عنها وقد ظن أن سبب تلك الحالة هو رهاب ليلة الدخلة الذي يصيب الكثيرات من حديثات الزواج..
هي نفسها لا تعرف سببًا ولا مبررًا لتلك الانقباضة القميئة التي أصابتها..
خرج يامن من معمل التحاليل الطبية وقد جعله تقرير المعمل في حالة صراع رهيب مع نفسه..
لقد جاء في التقرير أمران:
أحدهما:
جعله في سعادة غامرة، فلقد أثبت التقرير خلوه من مرض الإيدز، وهو أمر كان يشعر به…
وثانيهما:
لقد أثبت التقرير الخاص بحالته الجنسية عدم قدرته منذ زمن على ممارسة العلاقة الجنسية، وهو أمر كان يعلمه، بل فقط أراد التأكد منه، لكن الذي جعله يعيش هذا الصراع الرهيب هو كيف تم تصوير هذا الفيديو وبمن؟!
نفض هذا الصراع وقرر مشاهدة الفيديو مرة أخرى، لكن هذه المرة بتدقيق كبير حتى يثبت براءته..
توجهت فاتن لأحد أطباء النساء والتوليد، لم يزد الطبيب سوى أن أكد لها الحمل ولكنه حذّرها من احتمال الإجهاض، ونصحها بأن تمكث الشهور الثلاثة الأولى معظم الوقت على ظهرها في البيت، وألا تتحرك حركات عنيفة ولا تتعرض للإجهاد مطلقًا..
وبرغم عدم تقبلها للوضع في بداية الأمر، إلا أنها وبمرور الأيام بدأت في التأقلم، بل وصل الأمر بها أن يتحول القبول إلى سعادة غامرة؛ فكرة أن تصير أمًّا استهوتها للغاية، خاصة أن الحمل جاء من طريق شرعي ومن شخص أحبت رفقته ومعاشرته واختارت العيش معه ولو لوقت..
مرت شهور الحمل بسلام وجاءت لحظة الولادة، دخلت فاتن حجرة العمليات، لقد احتاجت إلى عملية قيصرية، حيث كان وضع الجنين مقلوبًا..
مرت ساعات وخرجت فاتن والمولود بسلام..
ظل الطبيب يبحث عن أحد أقاربها فلم يجد، فقط وجد خادمتها تقف أمام حجرة العمليات..
الخادمة:
أي خدمة يا دكتور؟ الهانم كويسة؟
الطبيب: مدام فاتن صحتها تمام، بس…
الخادمة: بس إيه يا دكتور؟ المولود فيه حاجة؟
الطبيب: للأسف خرج مُشوَّه..
الخادمة: يا لهوي! مُشوَّه إزاي؟
الطبيب: بس لما المدام فاتن تفوق من البنج هبقى أشرح لها الوضع، المهم دلوقتي لازم ننقل المولود للحضانة لأنه ناقص نمو، عاوزك تنتظري الهانم لغاية ما تفوق وعاوزك تمهدي لها الموضوع، قولي لها بس إن المولود محتاج رعاية في الحضانة. مفهوم؟
ثم تركها وانصرف..
نفس الملاحظة التي اكتشفها متعهد الحفلات لوالد زوجة يامن، اكتشفها يامن بنفسه بعد مشاهدته للفيديو مرة أخرى، بعد الحصول عليه من متعهد الحفلات..
كان قد اتصل عليه المتعهد مرارًا وتكرارا ولم يكن يامن يرد عليه باعتباره كان عازمًا على اعتزال المجتمع تمامًا، ولكن بعد قراره في تقصِّي الأمر اتصل هو به ليعرف ماذا يريد..
دار بينهما حوار مقتضب قص فيه المتعهد ملاحظته على الفيديو وكيف أنه ذهب إلى الحاج إبراهيم ليعرف حقيقة الأمر منه فيما يتعلق بموضوع الوحمة..
وبعدها أرسل ليامن الفيديو..
صار لدى يامن يقين تام ببراءته وربط بين استنتاجه وما ذكره له متعهد الحفلات، وصارت مهمته الأولى الآن هي إثبات تلك البراءة أمام الجميع..
أفاقت فاتن من العملية القيصرية ولم يكن على لسانها سوى عبارة واحدة متكررة :
“عاوزة أشوف ابني”..
أخبرتها الممرضة بأنه في الحضانة وطمأنتها، لكنها لم تقتنع، فظلت تُلح عليها بأن تذهب معها إلى الحضانة، ومع إلحاحها الشديد أخبرتها بتلك الحقيقة المرة التي لم تتخيل يومًا أنها ستعيشها..
اتصلت بالدكتور المُباشِر، فترك لها تقريرًا على الواتساب به كل التفاصيل التي أدت إلى تشوه ابنها..
تفاصيل عندما قرأتها علمت أنها هي الجاني الحقيقي على وليدها؛ فقد كانت تمارس حياة لاهية مليئة بالتدخين وشرب الكحوليات وتعاطي المخدرات والسهر وتناول المنبهات الخ…
خرجت فاتن من المستشفى وهي تحمل ابنها بعد خروجه من الحضانة، لقد أسّمته إدارة المستشفى “وحيد” بعد أن رفضت فاتن تسميته مطلقًا ؛ لقد بُهِتَت عندما وقع نظرها عليه لأول مرة، فقد تمنت أن يكون وسيمًا كأبيه، جميلًا كأمه، ولكنها فوجئت بمسْخ، حيث كان نصف وجهه أبيض والنصف الآخر خليط من اللونين الأحمر والأسود، تملأ وجهه وحمة ضخمة، وحمة بشعة ينفر منها أكثر النفوس جَبرًا للخواطر..
بالإضافة إلى فَقده لأصابع اليد اليمنى بالكامل، وزادت مصيبتها عندما أخبرها الطبيب في أسى:
“للأسف يا مدام فاتن، ابنك يعاني من متلازمة داون”..
لقد بلغ بها الإهمال مبلغا كبيرا حتى على نفسها ، فلم تفكر ولو لحظة أن تجري اختبارات حمل أو متابعة دقيقة طوال الحمل ؛ لقد كان جل تفكيرها في حياتها هو كيفية أذى الناس ويبدو أن هذا الأذى كان يسري في أحشائها دون أن تدري أو أراد الله أن ينفذ قدره لا محاله؛ فمثل هذه لا تصلح أن بكون لديها وليد جميل ؛ فهي لا تستحقه..
دارت الدنيا بها، ووصل بها تفكيرها الشيطاني في تلك الأثناء أن تتخلص من هذا الوليد الذي لم تستطع أن تراه في نظرها سوى مسخ مُشوّه لا غير..


