الموت وأشياء أخرى ….قصة قصيرة تأليف/علي جبل

للتوثيق بالعدد الجديد

الموت وأشياء أخرى ….قصة قصيرة تأليف/علي جبل

في قرية من القرى الحدودية المحاصَرة بالصمت والموت، تتجول “أمل” بعينيها بين أطلال البيوت التي كانت يوما ما عامرة بالأهل والأحباب، وبين الخيام المهترئة التي لا تقي حرا ولا بردا، حتى تستقر في النهاية على أخيها الذي لا يدري من أمر نفسه شيئا.
وفي كل صباح توقظه برفق، وتداعب وجهه، وخصلات شعره المبعثرة وتغني له.. صباح الخير يا عمري، الشمس خجلى من طيبتك، سنطير إليها معا عندما يصير لك جناحين، ستأخذني معك إلى هناك.
يتسلل صوتها الحاني لينعكس صداه على الآذان فتظهر وكأنها تُخفي وجع العالم مع نغمتها الخافتة وأنينها الذي تمكن من شغاف قلبها.
تُكمِل “أمل” غناءها بابتسامة لأخيها تُقابَل منه بابتسامة أخرى تنبض ببراءة لا يفهمها إلا قلبها.
كان أخوها- الذي تجاوز العشرين من ذوي الهِمَم- جسدا بلا حراك، روحا حبيسة في عمر الطفولة، لا يعقِل، ولا يعي من الدنيا شيئا، عقلُ طفلٍ في جسد رجل؛ لكنَّ في عينيه نور يبقيها على قيد الحياة، وفي ابتسامته دفء كشمس الصباح.

فقدا والديهما تحت وابل من القذائف وصرخات الموت في هجمة وحشية لمجموعة من البشر أشبه بالقطعان الضالة، وحدها عيناها الزائغتان كانتا تلاحقان ظلال الأبوين ببن ألسنة اللهب وحطام الجدران،
ولم يُسعفها الوقت لوداعهما الأخير.

أرهقتها الحياة كثيرا؛ لكنها لم تعرف الوهن، ولم تتذمر، ولم يُصبها الانكسار، كانت له كالجبل حين تهتز الأرض، والنور حين تنطفئ الحياة، تستيقظ فجرا، تُطعِمه تُغني له حتى تضحك عيناه، تُحادثه كما لو كان يفهمها، تُطببه كما لو كانت أفضل طبيبة.

فلم تكن الحياة سهلة بعد غياب والديهما،
ومنذ ذلك المساء، صار الخبز حُلمًا مؤجلًا، وحفنة الطحين معركة يومية تخوضها بين الطوابير المزدحمة، والأجساد المتدافعة، والأفواه الجائعة؛ ليكسبا يوماً آخر من الحياة.
فلا ماء، ولا غذاء، ولا كساء، فقط كانا يفترشان الأرض ويلتحفان السماء، وعادت بهما الدنيا إلى سيرتها الأولى بعد قصف حول ما تبقى من القرية إلى ركام.
كانا يعيشان معا على هامش الحياة، عاشت معه حياة البرية، وبالكاد كانت تُداري سوءته، وبأقل القليل كانا يقتاتا الطعام وفي بعض الأحيان يقتاتان من خشاش الأرض وعشبها ولا دفء له سوى من حضنها الذي صار مأوى له في عالم مكسور.

وفي يوم أشبه بالجحيم حدثت غارة مفاجئة أتت على كل ما أُقيم من مخيمات، الطائرات تزأر في السماء، الانفجارات تُزلزل الأرض، النار تلتهم كل شيء في طريقها، صرخات الناس تمزق الصمت، الغبار يملأ السماء، الأشلاء في كل مكان، الجميع يفر بلا وعي، النار تقترب من أخيها، لم يُسعفها الوقت لحمله على عجلته المتهالكة، حملته بذراعيها النحيلتين، احتضنته، غطته بجسدها الطاهر الذي لم يستسلم لليأس لحظة واحدة، تبحث له عن مكان آمن، الأرض تنهار تحت قدميها، الناس يدفعونها، يطئونها بالأقدام؛ لكنها لم تُفلِته، ولا زالت تجره بعيدا
-صوتٌ من خلفها: اتركيه، اهربي بحياتك!
استدارت بعيون دامعة، وصاحت بثبات:
إنه أخي ولن أتركه حتى لو احترقنا معا.
ولكم تمنت لو أن له أجنحة ليتخلص من جحيم الأرض ويحلق معها في السماء بعيدا عن هذا الخراب، وحين أوشكت أن تنهار
احتضنته بقوة، أحست بالدفء يتسلل إلى صدرها، أنفاسها بدأت تضعف، نبضها يتباطأ،
همست له بشفتيها المرتجفتين وهي ترفع بصرها للسماء، ها قد صعدتَّ بجناحين كما حلمت، طِر يا حبيبي، لا تنظر خلفك، وبهدوء، تهاوى جسدها فوقه، ثم سكنت كأنها نامت أخيرًا بعد عناء عمر، وعلى صدرها، وجدوها تحتضن رسالة مبللة بالدماء والرماد تقول فيها:
“هذا أخي… إن صعد إلى السماء، فقد نجونا.”
تمت
علي جبل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى