اللوحة … قصة قصيرة بقلم سعيد غزالة


اللوحة … قصة قصيرة بقلم سعيد غزالة

طول حياتي، القصيرة طبعا، وأنا أنظر في لوحة احتفظت بها منذ الصغر لطريق ممتد بلا أفق. لوحة زيتية يغلب عليها الرمادي والأزرق المخضر… طريق بلا أشجار تضلل جنباته بل شق في خلاء لا ينتهي إلى شيء محدد وتتناسل عبرها أسئلة غامضة مستفزة…
لا شيء في هذه اللوحة يريح العين أو يطمئن الروح. الطريق، كجرحٍ مستقيمٍ في جسد الفراغ، يمتد إلى ما لا نهاية، لكن دون أن يعد بأي شيء. لا أفق يُطمئن الناظر بأن هناك نهاية، ولا شجرة تُلوّح كعلامة حياة أو كظل مؤقت على حافة التيه. الجنبات فارغة، كأن الأرض قد كفّت عن التكلّم، وكأن السماء انسحبت من فوق هذا المشهد.
هذا ليس طريقًا عاديًا. إنه استعارة بصرية لرحلة الوجود الإنساني حين تُنزَع منها المعالم، واليقين، والمرافقة. طريق لا يحمل خارطة، ولا ينذر بما ينتظر في نهايته، إن كانت له نهاية أصلاً. اللوحة لا تقول “امضِ”، بل تسأل: لماذا تمضي؟
في مواجهة هذا الامتداد المجهول، يتجلى الخوف الوجودي العميق. خوف لا من موتٍ قريب، بل من حياة طويلة بلا معنى. وكأن اللوحة تسأل:
هل تسير لأنك اخترت، أم لأنك لا تجرؤ على التوقف؟
هل تبحث عن غاية، أم تهرب من الفراغ؟
كل تفاصيل اللوحة – أو قل غياب التفاصيل – تشارك في صناعة هذا القلق: الصمت الصارخ، اللون القاسي، الانعدام الكامل للحركة. إنها لوحة لا تُشاهد بل تُواجه. كل ناظر إليها يتحول إلى ذاتٍ مفكرة، خائفة، عارية أمام أسئلة لا مهرب منها.
وفي هذا المعنى، لا تكتفي اللوحة بأن تكون عملًا فنيًا، بل تتحول إلى مرآة فلسفية، تعكس هشاشتنا، وحدتنا، وحيرتنا أمام الزمن والمصير.
إنها ليست لوحة عن الطريق، بل عن الإنسان…
الإنسان حين يفتح عينيه فجأة، ليجد نفسه يمشي، ولا يعرف منذ متى، ولا إلى أين.
وجدتُ هذه اللوحة في مجلد قديم، في البَدء كانت عبارة عن رسمة على ورق مقوّى، ولولَعي بالكتب، اشتريتُ المجلد من “جوطية” تعرض القديم من الأثاث، وكان هذا المجلد جزءًا من كتاب ألف ليلة وليلةٍ مهترئ، باعه لي صاحبُه، أو لنقل: تخلّص منه بالأحرى…
أخذتُ الرسمة ووضعتها في إطار من خشب الزان، كان مخصصًا لآية قرآنية بهتَ خطُّها وتلاشت معالمُ حروفها… وخوفًا من أن أُوَبَّخَ على فعلتي تلك، أخفيتُ اللوحة… حتى استقللتُ بنفسي، لتصبح من اللوحات القريبة مني، تتصدر مدخل الشقة…
إلى أين تأخذُنا هذه الطريق؟


