العبور العظيم في أكتوبر ١٩٧٣ ….مقال بقلم سيد جعيتم


العبور العظيم في أكتوبر ١٩٧٣ ….مقال بقلم سيد جعيتم

يظل انتصار أكتوبر المجيد خالدا في أذهان كل العرب والمصريين، لم يكن انتصارا عسكريا فقط، بل كان انتصارا لإرادة الشعب الذي ضرب أروع الأمثلة في التحمل والتماسك والتلاحم بوعي مع قواته المسلحة. كانت الفترة بين عام 1967 وعام 1973 قاسية، وكان الرهان من العدو الصهيوني وحلفائه بعد الهزيمة المرة أن مصر قد استسلمت، ولن تقوم لها قائمة مرة أخرى. راهنوا على تدمير الروح المعنوية للشعب المصري وجيشه، وتناسوا أن الشعب الواعي، صاحب أعظم حضارة في التاريخ، لا يركع ولا يستكين، وكان إيمان الشعب هو القاعدة التي انطلق منها لإعادة البناء وتحقيق النصر، وقد سطر خلالها الشعب سطورا مضيئة، وسخر كل إمكانياته لهدف واحد، هو تحرير الأرض وتحقيق النصر.
كان الشعب المصري نسيجا واحدا مع قياداته وجيشه، وجعل الجبهة الداخلية جزءا لا يتجزأ من جبهة المواجهة العسكرية. وتحمل تسخير كل موارد الدولة للمجهود الحربي، وصبر على تهجير أهالي مدن القناة، وعلى نقص السلع ومتطلبات الحياة اليومية. وحينما حانت لحظة العبور، تسابق الشعب للتبرع بدمائه، وتراجعت معدلات الجريمة، وظل التكافل والتماسك حتى تم تحويل الانكسار. وكان العبور العظيم بكل الأمة العربية من عار الهزيمة إلى كرامة النصر.
سأحاول في مقالي هذا إلقاء الضوء على تاريخ الصراع بيننا وبين العدو الصهيوني، وأبدأ بذكر عدة نقاط:
1- جميع حروبنا مع الكيان الصهيوني، لم نكن البادئين بالقتال، بل كنا نتلقى الضربة الأولى، وهي دائمًا ضربة قاضية. المرة الوحيدة التي كان لنا فيها السبق والضربة الأولى كانت في معركة أكتوبر 1973، والتي حققنا فيها النصر. والنصر يتحقق بتحقيق هدف الحرب، سواء بالقتال أو بالمفاوضات، وقد استعدنا كامل الأرض المصرية.
2- جميع حروبنا مع الكيان الصهيوني حدثت فوق أرضنا العربية، أي إننا ندافع والعدو يهاجم.
3- حتى يومنا هذا لا توجد حدود معلنة لدولة إسرائيل، في انتظار تحقيق الخريطة المعلقة على جدران الكنيست، والتي تنص على قيام دولة إسرائيل من النيل إلى الفرات. وقد أعلن نتنياهو، رئيس وزراء الكيان، أنه في طريقه لتحقيق هذا الهدف.
4- كذبة معاداة السامية بدأت تتكشف، وفي الحقيقة هي معاداة للصهيونية. ولا أفهم كيف لا يوضح إعلامنا أن العرب ساميون أيضًا.
5- واهم من يظن أن الغرب سيتخلى عن دولة إسرائيل، فهزيمتها تعني عودة اليهود مرة أخرى إلى دولهم. وهناك سبب آخر ديني، فقيام دولة إسرائيل مقدمة لنزول السيد المسيح إلى الأرض، كما تنص النبوءات البروتستانتية، وقد سبق لي شرح هذا الأمر في مقال سابق.
6- الأمم المتحدة بنظامها الذي يمنح خمس دول حق التحكم في العالم وإسقاط أي قرار بالفيتو، نظام ظالم، لم يستطع حتى الآن مواجهة ويلات الحروب بصورة سليمة. وتذكر الإحصائيات أن ثلاثة وعشرين مليون إنسان قد قُتلوا بسبب الحروب في الفترة ما بين عامي 1945 و1989.
لنعرف قيمة انتصارنا في أكتوبر، وندرك أننا في أي حرب معهم لم نكن نحارب هذا الكيان وحدهن ولنتذكر أن جذور الصراع العربي الإسرائيلي ارتبطت بظهور الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر، ورغبتهم في إنشاء كيان لهم. وقد عُرضت عليهم أكثر من دولة، لكنهم اختاروا فلسطين لامتدادها التاريخي. وكانت بداية الحروب العربية الإسرائيلية في مايو 1948، عقب إعلان قيام دولة إسرائيل.
أشيع حينها أن القوات العربية هُزمت أمام شرذمة من المليشيات الصهيونية (البلماخ، الإرجون، الهاجاناه، الشتيرن، والمتطوعون اليهود)، لكن الحقيقة أنهم كانوا جيشًا مدربًا شارك في الحرب العالمية الثانية تحت راية قوات الحلفاء. وكان عدد قواتهم 62,000، بينما بلغ عدد الجيوش العربية مجتمعة 20,900.
عيّن الملك عبد الله، ملك الأردن، قائدًا للفيلق العربي، وأسند القيادة الميدانية العامة إلى الجنرال الإنجليزي جون باغوت جلوب، يساعده بريجادير نورمان لاشو. وأسندت قيادات القطاعات لكل من: العقيد كولدي لمنطقة نابلس، العقيد تيل أشتون لرام الله، وسام سيدني أرثر كوك لقوة الدعم. ويجب أن نتذكر أن بلفور، وزير خارجية بريطانيا التي قاد جنرالاتها الجيوش العربية، هو من أعطى الوعد بقيام دولة إسرائيل.
قبل أن نتحدث عن حرب أكتوبر التي فتحت الطريق إلى السلام، والذي يُنتهك بشدة الآن، يجب أن نعود بذاكرتنا إلى هزيمة 1967. فدائمًا ما تبدأ الحرب عندما تبدأ التنمية في مصر. وقد بدأت مصر في التصنيع المدني والحربي، كما بدأ المد القومي العربي، لذا كان لا بد من إيقاف مصر. وهذا ما حدث في العدوان الثلاثي عام 1956، وتكرر في عام 1967، حين بدأت إسرائيل بتوجيه الاتهامات إلى سوريا بأنها تموّل المقاومة الفلسطينية، وبدأت تشن هجمات على الجولان.
وردت أنباء خادعة من المخابرات السوفيتية بأن إسرائيل حشدت قواتها المسلحة على الحدود السورية، وأن الهجوم على الأراضي السورية أصبح وشيكًا. ولما كانت مصر مرتبطة باتفاقية للدفاع المشترك مع سوريا، أعلنت التعبئة العامة لقواتها المسلحة، وتم إعلان حالة الطوارئ القصوى. ثم طلبت مصر في مايو 1967 سحب قوات الطوارئ الدولية، وأعقب ذلك إغلاق مضيق شرم الشيخ في وجه الملاحة الإسرائيلية، وكان ذلك بمثابة إعلان الحرب.
لعب الإعلام المصري دورًا خطيرًا في التهوين من قوة إسرائيل وتضخيم قدرات الجيش المصري، فصوّر الحرب على أنها نزهة. وفي يونيو 1967، أُعلن في الصحف القرار الذي كان يجب أن يكون سريًا برفع حالة الطوارئ في الجيش المصري. وتابعت كاميرات الإعلام أماكن تجميع قوات الاحتياط غير المدربة، ودفعها إلى الجبهة وهم يرتدون الملابس المدنية، وعرضت صور محاور التحرك، وأماكن التوقف والتجمع، والتزود بالوقود، وكلها معلومات مجانية قُدمت للعدو.
كما أُعلن عن زيارة القائد العام للقوات المسلحة، المشير عبد الحكيم عامر، ومعه كوكبة من القادة إلى العريش، مما أدى إلى تقييد المدفعية المصرية طوال فترة الزيارة، وهو التوقيت الذي بدأ فيه العدوان.
هزيمة عام 1967 كانت عسكرية، لكنها لم تهزم إرادة الشعب المصري، الذي كابد أيامها نقصًا في كل الموارد، لأنها وُجّهت بالكامل إلى المجهود الحربي وإعادة تسليح وتدريب الجيش المصري. لتكون حرب أكتوبر ملحمة وطنية من أروع ملاحم التاريخ المصري الحديث، توفرت لها أسس النجاح والتميز، وأهمها التلاحم بين الشعب وجنوده، وبين القيادة السياسية، متسلحين بالإيمان بالله، وبالعلم، والتخطيط الجيد، وإعادة التسليح، والتدريب المستمر.
كان لا بد من تحقيق التوازن العسكري أمام الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل، فكان المقابل اللجوء إلى الدعم السوفيتي لمصر، والذي حقق للروس ما كانوا يسعون إليه من الخروج من البحار المغلقة والمياه المتجمدة، إلى التواجد في المياه الدافئة المفتوحة. لكن جمال عبد الناصر لم يوافق أبدًا على إقامة قواعد عسكرية لهم في مصر. وحتى تظل مصر في حاجة إليهم، كان لا بد من قيام حرب تضطر فيها مصر إلى اللجوء إليهم والموافقة على تواجدهم على الأراضي المصرية، فكانت تسريباتهم الكاذبة عن الحشود الإسرائيلية على الحدود السورية.
زود الاتحاد السوفيتي مصر بدعم عسكري عبر جسر جوي وبحري كثيف، وتمكنت مصر من تعويض خسائرها من المعدات والأسلحة. لكن المشكلة كانت في نوعية السلاح الذي تطلبه مصر، وتردد الروس في الاستجابة لكامل احتياجاتها، بينما كانت إسرائيل تحصل على أحدث الأسلحة من الترسانة الأمريكية.
كان قادة الاتحاد السوفيتي يشكّون في قدرة مصر على خوض صراع عسكري آخر مع إسرائيل، وأي هزيمة أخرى تعني لهم نهاية وجودهم في المنطقة.
وأعطي مثالًا على نوعية السلاح الذي كان الروس يمدون به القوات المصرية، والسلاح الأمريكي الذي كانت تحصل عليه إسرائيل، والذي يُظهر تفوق السلاح الأمريكي من حيث الدقة والفاعلية والمدى. فمدى طائرات الميج 15، 17، 19، 21 كان قصيرًا للغاية، وحمولتها وتسليحها لا يُقارن بما تملكه إسرائيل من طائرات أطول مدي وأحدث تسليح، السوبر ميستير، والسكاي هوك، والفانتوم إف 4. كما أن الدبابات السوفيتية تي 55 كان مداها أقل بكيلومتر واحد من الدبابة الأمريكية إم 60.
وكان الاتحاد السوفيتي يرفض مدّ مصر بالأسلحة الهجومية لبدء الحرب واستعادة الأرض. وهذه المقارنة تثبت عظمة الجيش المصري الذي خاض الحرب بأسلحة تقل في قدرتها ومداها عن سلاح العدو، ومع ذلك استطاع تحقيق النصر عام 1973.
ولكي يكون قرار الحرب مصريًا خالصًا، أمر الرئيس السادات بإنهاء عمل الخبراء والمستشارين السوفييت في يوليو 1972.
الإعداد لحرب أكتوبر:
أولاً: مرحلة الصمود:
بعد نكسة يونيو 1967، فقدت القوات الجوية معظم طائراتها، علاوة على فقدها لمطارات سيناء، وتعطل مطارات المنطقة الشرقية لوقوعها تحت تأثير مدافع العدو الصهيوني. لذا كان لا بد من إعادة بناء القوات الجوية، وإنشاء قواعد ومطارات جديدة مجهزة بدشم محصنة للطائرات، وكذلك غرف عمليات محصنة، وزيادة الممرات بكل قاعدة ومطار، وإنشاء ممرات جوية على الطرق البرية، وفصل قوات الدفاع الجوي عن قيادة القوات الجوية، وقد بدأت مرحلة الصمود بعد أيام من الهزيمة:
1- بدأت معارك الصمود في 30 يونيو 1967، بمعركة رأس العش جنوب مدينة بور فؤاد في مواجهة بور سعيد. وقد أثبت فيها المقاتل المصري، رغم الهزيمة والمرارة، أنه لم يفقد إرادة القتال، وقدم في هذه المعركة مثالًا للصمود والقتال بمهارة والتشبث بالأرض. وتمكنت قوة مصرية محدودة من قوات الصاعقة، عددها 26 مقاتلًا مزودين بالأسلحة الخفيفة، من التصدي للقوات المدرعة الإسرائيلية وهزيمتها، وظلت المنطقة في حوزة القوات المصرية حتى انتهاء الحرب.
2- قام المهندسون والفنيون المصريون بتجميع 250 طائرة حربية من مختلف الطرازات بعد إصلاحها. كانت القوات الجوية المصرية لا تزال في مراحل التطوير والتنظيم والإعداد والتدريب، ولم تكن قوات الدفاع الجوي قد تمكنت من ملء فراغ سماء المنطقة. استغلت إسرائيل هذا الوضع وطورت عملياتها العسكرية للتغطية على هزيمتها في معركة رأس العش، فصدرت التعليمات للطائرات المصرية في يومي 14 و15 يوليو 1967 بتنفيذ مهام القصف الجوي على مواقع العدو في سيناء وشرق السويس وعلى محاور الممرات الجبلية وحتى العريش. وكان عصب الهجوم طائرات الميج 17، في حماية طائرات الميج 21. وبالفعل، كانت مفاجأة لقوات العدو شرق القناة، بالضربات المركزة في شرق السويس وعلى محاور الممرات الجبلية وحتى العريش.
3- هددت المدمرة إيلات مدينة بور سعيد، واخترقت المياه المصرية خلال شهر أكتوبر 1967 أكثر من مرة، مستغلة قوة الردع المتمثلة في تفوقها الجوي ومدفعيتها الرابضة على الضفة الشرقية للقناة. فصدرت الأوامر إلى لنشات الصواريخ المصرية بالتصدي للمدمرة، وتم إغراقها على مسافة تبعد 11 ميلًا بحريًا شمال شرق بورسعيد، بعد الخامسة مساء يوم 21 أكتوبر 1967، وعلى متنها طاقمها الذي يتكون من نحو مئة فرد، إضافة إلى دفعة من طلبة الكلية البحرية كانت على ظهرها في رحلة تدريبية.
والجدير بالذكر أن سلاح القوات البحرية لم يتكبد أي خسائر في حرب 1967.
ثانيًا: مرحلة الردع (الصمود والتصدي)
1- في 24 أكتوبر 1967، بدأت إسرائيل بالقصف المكثف على الجبهة، مع التركيز على المدن. بعدها بدأت مرحلة الصمود والتصدي، بالإغارة على مواقع العدو وموانئه.
2- اعتبارًا من الثامن من مارس 1970، بدأت مرحلة حرب الاستنزاف الطويلة، التي استمرت ثلاث سنوات ونصف. تمكنت مصر خلالها من تكبيد الجانب الإسرائيلي خسائر كبيرة. وتزامنت أحداث حرب الاستنزاف مع إعادة بناء القوات المسلحة المصرية، ونجحت مصر خلال تلك الفترة في استكمال بناء منظومة الدفاع الجوي، وتحريك حائط صواريخ الدفاع الجوي إلى قرب حافة الضفة الغربية للقناة، وتنفيذ عدة عمليات لعبور الشاطئ الشرقي للقناة داخل عمق سيناء. كما استكملت بناء قواتها الجوية.
ويجب الإشارة إلي استشهاد الفريق عبد المنعم رياض رئيس أركان حرب القوات المصرية ، خلال معارك الاستنزاف، وهو بين جنوده في الخطوط الأمامية للجبهة في موقع المعدية رقم 6 بمنطقة الإسماعيلية.
ثالثًا: خطة الخداع الاستراتيجي
1- اطمأن العدو إلى عدم قدرة القوات المسلحة المصرية على العبور، لوجود خط بارليف ومانع قناة السويس، وكان هذا الاطمئنان هو الخدعة الأولى التي خدع بها الإسرائيليون أنفسهم، كما أنهم ركنوا إلى حالة الركود والاسترخاء التي أظهرتها القيادات في مصر بقبولها مبادرات وقف إطلاق النار.
2- عدم تنفيذ ما أعلنه الرئيس السادات من أن عام 1971 هو عام الحسم، أدخل في روعهم أن مصر غير قادرة على القيام بحرب جديدة.
3- أعلنت مصر التعبئة العامة ثلاث مرات قبل هذه الحرب، فكانت إسرائيل بالمقابل تستدعي احتياطها المركزي وتعلن التعبئة العامة، فتتوقف الحياة الاقتصادية في إسرائيل وتتكبد ملايين الدولارات، ثم تعود مصر إلى الحالة العادية، وقد دخل في روع الإسرائيليين أن التعبئة في أكتوبر مثل سابقتها.
4- تنقل كتائب من القوات والقيادات إلى مناطق متقدمة ثم تعاد إلى قواعدها، مما جعل العدو يعتقد أنها مشروعات تدريب، وعند التحرك الفعلي للمعركة ظن أنه تدريب كما حدث من قبل.
5- إضفاء صفة الهدوء على الجبهة، ونقل التدريبات بعيدًا إلى منطقة شط النيل المشابهة للقناة بمنطقة الخطاطبة.
6- فتح باب الإجازات والحج والعمرة لأفراد القوات المسلحة، وتسريح عشرين ألف جندي احتياط يوم 4 أكتوبر، وإعلان ذلك عبر وسائل الإعلام.
7- الاستمرار في رفع الساتر الترابي على الجبهة الغربية للقناة حتى صباح يوم السادس من أكتوبر، مما أعطى انطباعًا بثبوت الأوضاع على الجبهة.
8- استرخاء الجنود على طول الجبهة، واستحمامهم في ماء القناة، ونشر غسيلهم بصورة واضحة.
9- إذاعة خبر سفر قائد القوات الجوية صباح يوم 6 أكتوبر إلى ليبيا.
لماذا تم اختيار السادس من أكتوبر كموعد للحرب؟:
1- احتفال اليهود بعيد الغفران (يوم كيبور)، حيث يعتبر هذا اليوم يوم سكون وصيام لدى الإسرائيليين، وتتوقف الإذاعة والتلفزيون الإسرائيلي عن البث، مما يعيق استدعاء قواتهم عبر وسائل الإعلام، ويجعل الاستدعاء بالطرق الأخرى أكثر بطئًا.
2- استنادًا إلى الحسابات الفلكية والملاحية، تبين أن ليلة السادس من أكتوبر ستكون مضيئة في النصف الأول من الليل، مما يساعد على تركيب المعدات تحت ضوء القمر، على أن تعبر القوات في النصف الثاني المظلم. كما أن حركة المد والجزر في القناة ستكون هادئة، مما يسهل عبور القوارب.
خط بارليف الذي تهاوى تحت أقدام الجنود المصريين:
يُعد خط بارليف من أقوى الخطوط الدفاعية في العصر الحديث، وقد تفوق على خط سيجفريد الألماني، وخط ماجينو الفرنسي، وحائط الأطلنطي الألماني. بلغت تكاليف إنشائه خمسة مليارات دولار (بحساب ما قبل عام 1973)، وصُمم بحيث لا يمكن تطويق أجنابه لوجود موانع طبيعية مثل خليج السويس جنوبًا، والبحر المتوسط شمالًا، وقناة السويس كمانع مائي، ويُعد الساتر الترابي أمام الخط وزاوية ميله الكبيرة، والملغم بالألغام الفردية والشراك الخداعية، جزءًا من الخط، الممتد على الضفة الشرقية للقناة بطول 170 كيلومترًا، وبعمق 12 كيلومترًا داخل سيناء.
صبيحة يوم 6 أكتوبر 1973:
على الجبهة الإسرائيلية:
اجتمعت الحكومة الإسرائيلية يوم 5 أكتوبر لبحث التحركات المصرية، ولكن رجال المخابرات أكدوا أن ما يحدث على الجبهة المصرية لا يرقى إلى مستوى الحرب، مما يؤكد نجاح خطة الخداع المصرية.
على الجبهة المصرية:
1- حفاظًا على سر توقيت الحرب، لم يُبلغ سلكيًا أو لاسلكيًا، بل وُزع على القادة في مظاريف مغلقة تُفتح في توقيت محدد، ةبما أن العدو بارع في التجسس والتنصت باستخدام أحدث المعدات الأمريكية والغربية، فقد تفتقت العقلية المصرية عن استخدام الشفرة باللغة النوبية غير المكتوبة.
2- سبق العبور عبور القوات الخاصة المصرية ليلًا، وتمركزها لصد الهجوم المضاد للاحتياطي الاستراتيجي الإسرائيلي، وإتلاف خط مواسير النابالم على طول الجبهة.
3- بدأت العمليات الحربية في الساعة الثانية ظهرًا يوم السبت السادس من أكتوبر 1973، الموافق العاشر من رمضان 1393 هـ.
4- نفذت القوات الجوية المصرية الضربة الجوية الافتتاحية في صمت لاسلكي تام، لتجنب التصنت المعادي. استهدفت الضربة الأهداف الإسرائيلية في سيناء بهجوم موحد مفاجئ، شاركت فيه أكثر من 200 طائرة. تم ضرب مركز القيادة الرئيسي للعدو في منطقة “أم مرجم”، وضُربت الممرات في ثلاثة مطارات: المليز، بير تمادا، ورأس نصراني، بالإضافة إلى ثلاثة ممرات فرعية في نفس المطارات. كما تم تدمير عشرة مواقع بطاريات للدفاع الجوي من طراز هوك، وموقعين للمدفعية، ومركز حرب إلكترونية، والعديد من مواقع الشؤون الإدارية، بنسبة نجاح تجاوزت 90%.
5- قام المهندسون بفتح ثغرات في الساتر الترابي على الجبهة المصرية تمهيدًا لعبور القوات.
6- احتلت الصواريخ أرض- أرض وأرض- جو مواقعها المحددة.
7- أعقب ذلك قصف مدفعي شديد من مئات المدافع بأعيرتها المختلفة، وقذائف الدبابات على طول الجبهة. ثم عبرت قوات المشاة المصرية في قوارب مطاطية وسط قصف مدفعي إسرائيلي، كما عبرت الدبابات البرمائية بأطقمها، وتم حصار وتطويق مواقع خط بارليف دون اقتحامها، حيث كان الاقتحام سيستغرق وقتًا طويلًا، فكانت الخطة محاصرة المواقع والتقدم للأمام. وبعد استكمال العبور، اقتُحمت بعض المواقع، وقُتل وأُسر من فيها بعد قتال عنيف، وتم رفع العلم المصري على الضفة الشرقية للقناة.
8- بدأ تجريف الساتر الترابي باستخدام طلمبات المياه، وفتح عدة ثغرات فيه، ثم نُصبت الكباري العائمة، وعبرت عليها المعدات والدبابات الثقيلة وباقي القوات. وفي النهاية، سقطت كل مواقع خط بارليف الحصينة تباعًا.
9- وحتى بعد ساعتين من بدء الهجوم، لم تظهر الطائرات الإسرائيلية التي مُنيت بخسائر كبيرة، حيث تصدى لها حائط الصواريخ المصري، وأبعدها عن الاقتراب من الحد الأمامي للقوات المصرية بمسافة خمسة عشر كيلومترًا. وحتى يوم الثامن من أكتوبر، كانت القوات الإسرائيلية قد تكبدت خسائر فادحة في الطائرات بواسطة صواريخ سام، وفي المدرعات بواسطة الصواريخ المضادة للدروع من نوع ساجر ومالوتكا. وتم تحرير مدينة القنطرة شرق يوم 7 أكتوبر.
10- بدأ الهجوم المضاد الإسرائيلي يوم 8 أكتوبر بطائرات ومعدات أمريكية جديدة تم إنزالها في مطار العريش، وتم التصدي لها على كل الجبهات بنجاح.
11- أغلقت القوات البحرية مضيق باب المندب، مما قطع الإمدادات البحرية عن إسرائيل.
:
تطوير الهجوم (معركة الدبابات(:
شنت مصر هجوما بنحو تسعة ألوية مدرعة باتجاه منطقة المضايق في سيناء يوم 14 أكتوبر، فيما يعرف بخطة تطوير الهجوم المصري، وذلك نتيجة قرار سياسي من الرئيس السادات لمحاولة تخفيف الضغط الإسرائيلي على جبهة الجولان، بناء على طلب من الرئيس السوري حافظ الأسد. وقد تم خلال هذا الهجوم أسر العقيد عساف ياجوري.
الثغرة:
تمكن الجيش الإسرائيلي من فتح ثغرة في منطقة الدفرسوار، وعبر إلى الضفة الغربية للقناة، حيث حاصر الجيش الثالث الميداني ومدينة السويس، لكنه فشل في احتلال أي مدينة مصرية، وبصفة خاصة السويس والإسماعيلية، كما لم يحقق أي مكاسب استراتيجية، ولم يتمكن من إجبار القوات المصرية على الانسحاب إلى الضفة الغربية مرة أخرى.
انتهت الحرب رسميا يوم 24 أكتوبر من خلال اتفاق وقف إطلاق النار الموقع بين الجانبين العربي والإسرائيلي، إلا أنه لم يدخل حيز التنفيذ فعليا على الجبهة المصرية حتى يوم 28 أكتوبر.
معاهدة السلام:
تم توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في السادس والعشرين من مارس عام 1979، واستعادت مصر سيادتها الكاملة على سيناء وقناة السويس في 25 أبريل عام 1982، باستثناء منطقة طابا التي تم تحريرها عن طريق التحكيم الدولي في التاسع عشر من مارس عام 1989.
نتائج حرب أكتوبر (العاشر من رمضان):
استرداد الأرض والكرامة، حيث استعادت مصر 450 كيلومترا مربعا من أراضي سيناء، وابتعدت القوات الإسرائيلية مسافة 55 كيلومترا عن قناة السويس. وبعد ذلك، تم الجلاء الكامل عن شبه جزيرة سيناء عبر المفاوضات.
بقلم: سيد جعيتم
جمهورية مصر العربية
