الشعراء الجدد ورجل الشارع (2) …. بقلم د. آمنة الهجرسي

    طرح الجزء الأول من هذه الدراسة في نهايته سؤالا عن أسباب قبول الشعراء الجدد وقدرتهم على استقطاب العديد من فئات المجتمع الثقافي والشعبي ، ولنعرف علينا أن نبحث جيدا في الآليات التي اتبعها الشعراء الجدد من جيل الستينات تحديدا لأنهم الأكثر إقداما على استحداثهاوأفصحوا عنها بأنفسهم أثناء تسجيلهم لسيرهم الشعريةوتوثيقها كإجراء احترازي مضاد لمشارط النقاد الذين لم يكونوا على نفس القدر من الوعي الذي تجلى لشعراء الستينات.

    اللغة ، أداة الشاعر الفريدة ، ذلك السلاح ذو الشفرة الحادة الماضية . 

بإمكان اللغة الشعرية أن تحيي شخصا ، بلدا ، حدثا ، قصصا ، أساطير منسية ….إلخ وبإمكانها أيضا أن  تحط من شأن الأشخاص والأشياء شرط استخدامها ببراعة وامتلاك نواصيها وإدراك مرونتها وقابليتها اللامتناهية على المواكبة. 

باللغة الشعرية حط ” جرير ” من شأن قبيلة عربية أصيلةمعروفة بمنتهى البساطة :

فغضّ الطرف إنك من نُميْرٍ    فلا كعباً بلغتَ ولا كِلابا

وبها رفع السموْأل من قدر نفسه وأهله :

تعيّرنا بأنا قليل عديدنا     فقلت لها إنّ الكرام قليلُ

وبها شنّ الحُطيئة حربا شخصية على الزبرقان بن بدر سيد تميم فاشتكاه عند عمر بن الخطاب خوفا من الوصم بسبب الشعر فاستشار الفاروق سيدنا حسان بن ثابت فأكد أنه ” سلّح عليه ” :

دع المكارم لا ترحل لبغيتها   واقعد فإنكَ أنتَ الطاعمُ الكاسي

  اللغة الشعرية هي لغة التواصل الوجداني مع الآخر ، حروفها وكلماتها المتسقة بمثابة أصابع البيانو الذي لا ينطق بغير توليف معين لتوالي الضغطات على هذه الأصابع ، وبقدر براعة العازف في توليف أصوات الأصابع مع بعضها تكون براعته وكذلك الشاعر لأن الهدف هو تحريك الوجدان عند الاستماع وحث المخيلة على التعاطي مع الإشارات المختبئة في نسيج القصيدة الناطقة. فإن لم تنطق قصيدة أحدهم بهذه الكيفية فتحرك المشاعر لتتفاعل معها فهي على الأرجح تقع في باب النظم لا الشعر.

   الهدف إذن من اللغة الشعرية هو الاتصال بالآخر في البيئة المحيطة بالشاعر بطريقة معينه ووسيلة هذا الاتصال كما سبق هي اللغة الشعرية وعلى ما سبق لابد لهذه اللغة أن تكون مفهومة ، واضحة ، معبرة ومعاصره والصفة الأخيرة تكفي لتجمع في طياتها سائر الصفات المطلوبة لنحكم على لغة قصيدة ما من حيث شعرية اللغة.

   لقد فطن الشعراء الجدد ” شعراء التفعيلة ” لأهمية وجود جسر لغوي بينهم وبين الجماهير من حولهم كما فطنوا للمتغيرات التي طرأت على رجل الشارع في تلك الفترات من حيث تنوع الثقافات الوافدة إلينا وتعدد اللغات الأجنبية وتداول بعض ألفاظها بشكل ” معرّب ” في حياتنا اليومية وابتعاد الناس عن بعض الألفاظ العربية – وهذا طبيعي – القديمة التي استخدمت كثيرا في عصور سابقة واحتفظ بها بعض علماء العربية والأكادميين والأزاهرة بحكم اطلاعهم المتواصل وقراءاتهم المتعددة للمصنفات العربية القديمة بهدف البحث والدراسة وهي ما نطلق عليه بالألفاظ المعجمية وحوشي الألفاظ أي المتروكة غير المستخدمة. 

ما العمل إذن؟!! لابد من التحرر لكن في حدود المعقول . لقد لخص نزار قباني رؤيته وما لاحظه أقرانه من الشعراء المعاصرين له قائلا : ” ومن هنا كنا نشعر بغربة لغوية عجيبة ، بين لغة نتكلمها في البيت ، وفي الشارع وفي المقهى ، ولغة نكتب بها فروضنا المدرسية ، ونستمع بها إلى محاضرات أساتذتنا .. ونقدم بها امتحاناتنا..” كان نزار يشعر بمأزق كبير وهو يقف أمام ما وصفه باللغة المتعجرفةالتي تعاني من قطع الجسور بينها وبين لغة الشارع تماما وهو يريد بشدة أن يصل إلى الشارع ، هو يعلم أن بغيته هناك لكنه معتد في الوقت ذاته بجذوره هو يريد الجمع بين الطرفين . لا بد إذن من إيقاظ ما أسماه باللغة الثالثة وقرر بالفعل اعتماد لغة تأخذ من الأكاديمية منطقها وحكمتها ، ورصانتها ، ومن العامية حرارتها وشجاعتها وفتوحاتها الجريئة على حد تعبيره. 

   لم يكن نزار وأقرانه دخلاء على دوحة الشعر، بل بدأوا نسج أعشاشهم فيها بطريقة عمودية أصيلة وهذا يدفع عنهم التهمة الباطلة التي وُجهت إليهم وقتها ولا يزال بعض المتشددين يفعلون، ومن أشهر من قدم رده بقصيدة عمودية رادعة الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي وقصته مع العقاد شهيرة جدا .. لقد أرادوا حياة مديدة ومتجددة للشعر وملامسة حقيقية لواقعهم المعاش بكل تفاصيله ، يقول نزار: ” بهذه اللغة الثالثة نحن نكتب اليوم . وعلى هذه اللغة الثالثة يعتمد الشعر العربي الحديث في التعبير عن نفسه ، دون أن يكون خارجا عن التاريخ .. ولا سجينا في زنزانة التاريخ ..”

  هذه الجرأة في استعمال لغة محايدة – إن جاز لي القول – أشار لها وشجع عليها أيضا صلاح عبد الصبور  وأطلق عليها مصطلح ” الجسارة اللغوية ” أي الجسارة في كسر القيود الوهمية التي يصر عليها الجامدون في كل عصر فاللغة العربية لغة غنية جدا لأن فيها رمزا لكل المدركات الحسية والوجدانية التي يواجهها الإنسان لا رموزا ميتة محنطة في القواميس ولكن رموزا حية جارية الاستعمال في الحياة اليومية على حد تعبير عبد الصبور في كتابه ” حياتي في الشعر ” حيث يؤكد على أن لغتنا العربية هي : ” لغة غنية بالغة الغنى ، وفقيرة بالغة الفقر في نفس الوقت .” لأننا عندما نستعرض أي قاموس عربي سنفاجأ بوجود الكثير من الألفاظ ذات الدلالات الحسية والوجدانية ولكن الكثير منها تم إهماله بمرور الوقت أو أصبح غريبا على السمع أو محيت دلالته بالنسبة للعوام وغير ذلك . ويشرح لنا صلاح عبد الصبور ما قصده وأقرانه من الشعراء باستعمال لغة مغايرة أو ثالثة ذلك أنهم لا يتبنون فكرة التخلي عن تراثهم اللغوي بقدر ما هي رغبة في القدرة على استعمال اللغة بمستوياتها المزعومة وكأنها كنز خاص ” لغة شعرية ” بمعنى أنهم قادرون على التقاط كلمة ميتة من القاموس شريطة القدرة على منحها دلالة واضحة وكذلك الأمر مع الألفاظ الدارجة على ألسنة المارة ( السابلة ) فأنت عندما تتحدث عن اللغة بفهومها العام ستكون في وضع وموقف يختلف تماما عن ذلك الوضع مع لغة الشعر .

   وأعتقد أن هذا النهج في استعمال اللغة هو الذي ضيق الفجوة بشكل كبير بين عامة الناس في الوطن العربي وهؤلاء الشعراء وسمح لقصائدهم بالانتشار بل وحفظالناسُ الكثير منها وغناها المشاهير من مطربي الوطن العربي وأفردت لها مساحات وأعمدة في مختلف الصحف والمجلات الأدبية ، والتفت الجماهير حولهم في كل محفل ونشاط .

     لتصل إلى الشخص الذي يقف أمامك على ضفة الجهة الأخرى من النهر لابد لك من استخدام أحد وسيلتين ، إما العثور على قارب والتجديف نحوه – ويالها من عملية شاقة – وقد تصل بعد أن يدير لك هذا الشخص ظهره ويبتعد عن حافة النهر ، وإما أن تجتهد لبناء جسر متين يربط بين الضفتين وتصبح عملية الاتصال متاحة في أي وقت ومن كلا الطرفين .. وهكذا فعل شعراء التفعيلة .. لم يكن التخلي عن قيود القافية بالأمر الهيّن فأُذن العربيّ أذن موسيقية ، حساسة ومرهفة ولهذا أعد القدرة على إدارة التفعيلات المتحررة من القافية داخل القصيدة الحديثة بطريقة تتيح لصاحبها طرح كل ما يريد أن يقوله بانسيابية يتخللها كلمات مقفاة أحيانا لهو لون من ألوان العبقرية الشعرية الحديثة .. وهذا اللون من العبقرية لا يتأتى للجميع .. أن يُخضع الشاعر مفرداته لتقوم بتقديم عمل درامي تدور فيه الكلمات حيث دار المعنى المغلف بحس معين وشعور مقصود يسعى الشاعر لبثه من خلال سطور شعرية لا أبيات كاملة تتكاتف لترسم لنا صورة شعرية خاصة تماما كما يفعل المصور السينمائي أو الدرامي لهو أمر في غاية العبقرية يؤكد من خلاله الشاعر الحديث على صحة وجهة نظره … إن البراعة في استخدام اللغة الشعرية في قصيدة التفعيلة الدرامية لهو أشبه بانتقال الكاميرا من مشهد إلى آخر قد يركز الشاعر في أحدهم على لقطة دون لقطة وتكون عملية التنقل بين السطور الشعرية مقصودة إما بسرعة أو ببطءووفقا للتأثير المطلوب إحداثه ، وهذه خاصية نادرا ما تتأتى للشعر العمودي .. في الشارع العربي الذي كان ولا يزال يعاني من التقلبات على مختلف الأصعدة صعودا وهبوطا لا بد من وجود نص قادر على تمثيل هذه التقلبات خير تمثيل وقصيدة التفعيلة أقدر على ذلك .. فالشاعر الجاهلي كان يعيش حياة ذات وتيرة ثابتة قائمة على الحل والترحال ، رحلات التجارة في الشتاء والصيف ، لديه ناقته أو فرسه ليقطع بأحدهما المفاوز وعلى إيقاع خطو أحدهما يسجل رحلته في قصيدة فوق أرض صفراء اللون وتحت سماء صافية جدا .. الشاعر الحديث لا يعرف شيئا من هذا ، فكل يوم الحياة من حوله في شأن ، كل يوم هناك جديد في كل المجالات حرفيا .. لا شيء ثابت .. حركة التطور سريعة جدا وتطال كل شيء فكيف له أن يتواصل مع الآخر بطريقة ثابتة؟!!!

 لقد وصل الشاعر الحديث إلى مبتغاه وبنى جسرا قويا بينه وبين من يقفون على الضفة الأخرى عبر هذه الرؤية ( المواكبة ) يقول نزار موضحا ما أقدم عليه : ” القصيدة الحديثة جاءتنا ومعها زمنها الخاص ، بعد أن كان جميع الشعراء العرب يسكنون في زمن واحد . كما تسكن القبيلة في خيمة واحدة ، وتغرف الطعام من إناء واحد  ….. لم تعد وظيفة القصيدة الحديثة أن تعلمنا ماهو معلوم ، وتنظم لنا من جديد مت هو منظوم ، صارت وظيفتها أن ترمينا على أرض الدهشة والتوقع ، وتسافر بنا إلى مدن الغرابة ..”

بقي أن نشير إلى أن جمهور ذلك الوقت كان على قدر عالٍ من الوعي والثقافة بكل معانيها ومفاهيمها ، وأن الذائقة العربية المرهفة كانت في أوجها ولم تفتر أو تختل كما هو الحال في أيامنا هذه إلا القليل جدا ، وكان رجل الشارع يعشق البقاء في المقهى مع أصدقائه لمتابعة كل ماهو جديد مما ينشر عبر الصحف والمجلات المرموقة .. رجل الشارع الستيني تقبل الشاعر التفعيلي وردد معه أشعاره وعمل بنفسه على انتشار قصائده ليس فقط لكل ما سبق وإنما لوجود أهم صفة في النفس البشرية ( الصدق ) أي أن ما يخرج من القلب يستقر في القلب .. كانت تلك القصائد تتحدث نيابة عن رجل الشارع في القرية ، في المدينة ، وقت السلم ووقت الحرب .. كانت تتغنى بكل ما يخص النفس البشرية ، وتحمل العديد من الرسائل … إنه حس المسؤولية ..ذلك المحرك الصارخ في داخل كل شاعر حر ..  يتبع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى