التسامح لغة القلوب التي لا تَشيخ …مقال بقلم أ. نهى عمر – فلسطين

إن الله تعالى و لِحِكمة هو أعلم بها من مخلوقاته، خلق الكون ممتلئا بالتنوع من حيث المكونات الموجودة منها المياه والهواء و الجمادات ومنها الأحياء التي لا تعد ولا تحصى ما نراه منها وما لا نراه أو لم نسمع به أو لم يتم اكتشافه بعد، ومن أهمها الإنسان أو الكائن البشري والذي ميزه الله بالعقل ووهبه القدرة على التفكير والتمييز والتطور ليجعله سيد الكون أو الأعلى درجة على باقي الأحياء التي تقودها الغرائز لا العقل، مَهْما كانت نسبة ذكائها فهو لا شيء مقارنة مع البشر، ولكن هذا المخلوق البشري أيضا به الشر والخير حسب تربيته وبيئته وكافة المؤثرات التي تعمل على تنميته وتفكيره سلبا أو إيجابا منذ الطفولة حتى يصبح بالغا مكتمل النمو البدني والذهني، فإذا تَطوَر الشر فيه فعل العجائب وفسد وأفسد وأجرم ، وإن تطور الخير فيه كان الأجمل والألطف، وكله يعتمد على الوعي والمعرفة واستخدام العقل بالشكل المفترض والمنطقي وليس مجرد اندفاع أو تلقي بلا تدبر أو تفكر خاصة وأننا نعيش حاليا في عالمٍ يزداد صخبًا وضجيجًا، وتتكاثر فيه الأفكار والاختراعات الشريرة مما جعله عالما تكثر فيه الحروب الضخمة التي تفني وفنت شعوبا وحضارات عظيمة مما فرق بين القارات والبلاد وشعوبها وأخفَتَ شعلة روح الإنسانية والمحبة وأشاع الحقد والجمود وحب القتل والدماء والعنف بكل أشكاله، خاصة مع تصاعد وتنامي سباقات التسلح وما تنتجه من أجهزة وآلات قمع جعلت الإنسان بلا مشاعر ومُحِباً للقتل، وللمال لنفسه دون غيره على عكس فطرته الطبيعية، كما أن وجود البشر في كون تتناسل فيه النزاعات الصغيرة حتى تغدو جدرانًا تفصل بين القلوب وتعكررصفو الحياة، جعل الأصحاء عقليا ونفسيا وروحيا يبحثون عن سبل استعادة التوادُد والتَراحم والمحبة بين الناس وروح العطاء والبذل والعودة للتسامح والغفران لبعضهم لتستمر الحياة سوية، فأصبح التذكير بضرورة الاهتمام بإنسانية البشر باعتماد يوم من كل سنة يهل عليهم وهو اليوم العالمي للتسامح ليذكّرنا بأنّ الإنسان خُلق ليَسكن لا ليُخاصم، وليُحبّ لا ليُعادي. ففي السادس عشر من نوفمبر من كل عام، يتجدّد النداء الإنساني النبيل: سامح كي تبقى إنسانًا.
التسامح في جوهره ومعناه ليس ضعفًا كما يظن البعض، بل هو قمّة القوّة، حين يختار الإنسان أن يعلو فوق الجراح لا أن يغرق فيها.
هو أن تمتلك القدرة على الانتقام، ثم تختار العفو. أن تُطفئ نار الغضب بقطرة من الحكمة. أن ترى في المخطئ ملامح بشرٍ يشبهك، وأن تمنحه فرصة جديدة ليُصلح ما أفسده، لعله يُراجع نفسه ويتراجع عن الخطأ
قال غاندِي يومًا: “الضعيف لا يستطيع أن يسامح، فالتسامح سمة الأقوياء.”
فما أصدق هذه الكلمات، إذ لا يصدر العفو إلا عن قلبٍ امتلأ نورًا وسلامًا.
وقد نادت وحثت ودعت كل الديانات السماوية بالتسامح كقيمة عليا ضرورية
ففي الإسلام، يقول تعالى:
“وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ.”
ويقول النبي محمد (صلعم) لا يومن أحدكم حتى بحب لأخيه ما يحب لنفسه.
وفي المسيحية، جاء القول المضيء: “أحبوا أعداءكم، باركوا لاعِنيكم.”
أما البوذية، فترى أن التسامح هو طريق التحرّر من الألم.
وفي الأمثال الشعبية قيل ( يا بخت من قَدِرَ وعَفا ) بمعنى العفو عند المقدرة كما قال الحكماء.
وهكذا، تتّفق الديانات جميعها على أن الغفران ليس تنازلاً عن الحق، بل انتصار للروح والإنسانية والفطرة على الكراهية.
وتبرز أهمية التسامح ودوره في إعادة السكينة والصفاء واللحمة بين الناس أكثر
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتضيق فيه الصدور، إذ يصبح التسامح صمام الأمان للمجتمعات، فهو الجسر الذي يربط بين الشعوب رغم اختلاف ألوانهم وألسنتهم، ويزرع في الأرض بذور التعايش والسلام.
فمن دون التسامح، لا يمكن أن تزدهر حضارة، ولا أن يُبنى مستقبل يليق بالإنسان.
التسامح في المدارس يعني جيلاً يحترم الاختلاف.
وفي الأسرة، يعني حُبًا أقوى من الزَلاّت.
وفي السياسة، يعني حوارًا يقدّم المصلحة العامة على الأنا الضيقة.
يزخر التاريخ بنماذج مشرقة ومميزة ملهمة من قصص التسامح العظيم!
حين خرج نيلسون مانديلا من سجنه بعد 27 عامًا، لم يحمل حقدًا، بل دعا إلى مصالحة وطنية صنعت مجد جنوب أفريقيا.
وحين عفا الرسول محمد ﷺ عن أهل مكة يوم الفتح، قال: “اذهبوا فأنتم الطلقاء.” — فكانت لحظة خلدها التاريخ كأسمى درس في التسامح الإنساني.
لذا نرى أن التسامح طوق نجاة البشرية
وفي اليوم العالمي للتسامح، لعلّنا نتذكر أن الغفران ليس فعلاً للحظة، بل أسلوب حياة.
أن نتسامح لا لأنّ الآخرين يستحقون، بل لأنّ قلوبنا تستحق السلام. ولأن التسامح من أرقى الثقافات ومن أجمل وأهم السلوكيات وكذا الاعتذار عند الخطأ والتراجع عنه فهذه ثقافة راقية وسلوكيات محببة نافعة تصدر من نفس طيبة وعقل يعي ويفهم و يحترم الآخر.
فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من المنتصرين في الخصومة، بل إلى مزيد من القادرين على احتضان الحياة بصفاءٍ ونُبل، رغم إدراكنا أن التسامح لا يُغيّر الماضي، لكنه يصنع مستقبلًا أجمل حتما، فالصَفح للقادر نقطة بداية أو نحول للمصفوح عنه.
فلنجعل من هذا اليوم دعوة صادقة للصفح، ولنبذر في صدورنا بذور المحبة التي وحدَها تُزهر أمنا وهدوءا وإنسانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى