اشاعة ورسالة …بقلم واعداد: مدحت صلاح

تعودت معكم دائمًا كل فترة على اظهار حقيقة بعض الإشاعات الأدبية، منها اشاعة وقصيدة واشاعة واغنية .. واليوم اشاعة ورسالة!!

انتشرت في الآونة الأخيرة على الكثير من مواقع التواصل الإجتماعي، وخاصة من المهتمين بأدب الرسائل او الفن الشكيلي، رسالة يدعي الكثيرون من أنها رسالة إنتحار الرسام العالمي “فنسنت فان جوغ-
“Vincent Van Gogh
بل وصل الأمر لحد نشرها على بعض الصحف العربية الكبرى وكأنها حقيقة مُسلم بها.

ولكن هذا الموضوع ليس بجديد ويرجع إلى عدة عقود مضت. وسبب اعادته هذه الفتره هو توسع انتشار مواقع التواصل وما عليها من كثرة الشائعات.

وفي حقيقة الأمر أن هذه الرسالة ترجع للكاتب السوري “نبيل صالح”، والذي قد قام بترجمة {65} رسالة من الرسائل التي كتبها الفنان “فان جوغ” لأخيه ثيو وجمعهم بكتاب له يسمى “شغب” مع تضمين (الرسالة الأخيرة) والتي كانت من تأليف الكاتب “نبيل صالح” نفسه، وكل ما ذكر بها فهو من وحي خياله لتصور المشهد الأخير الذي عاشه الرسام العالمي.
وقد تبين ذلك حين أصدرت وزارة الثقافة السورية عام {1980} ترجمة لكتاب جامع لرسائل “فان جوغ”، وكان قد سبق ونشرها متحف “فان جوغ” الرسمي، ومن المفترض بأن الكتاب يحتوي على {65} رسالة فقط ولا وجود لتلك الرسالة رقم {66} – وهذا ما أشار إليه الكاتب بشكل غير مباشر- والجدير بالذكر أن رسائل “فان جوغ” قد صدرت مترجمة إلى العربية، وهذا ما جعل النُقاد يعتقدون أن الرسالة الأخيرة كانت مُترجمة عن “فان جوغ” وليست من تأليف “نبيل صالح”، وهذا لأن الكاتب لم يتحدث عن نصه كثيرًا فأصبح من المُتعارف عليه وقضية مُسلم بها أن ذلك النص من ضمن رسائل “فان جوغ” إلى أخيه “ثيو” في حين أنه يُعتبر عملًا أدبيًا وإبداعًا خالصًا، مُستقل تمامًا.

وقد قام الكاتب “نبيل صالح” بنشر الرسالة في جريدة “تشرين” السورية عام {1990/8/22} إثباتًا لعمله الذي لم يلقى وقتها اهتمامًا من جانب الأدباء أو الفنانين على حدٍ سواء.

وعندما نتوقف عند الرسالة بالفحص والتمحيص نلاحظ عُمق التشبيهات ولباقة وتناسق الألفاظ في هذا النص والذي يصعب أن يكون بهذا الحد من الرِفعة في اللغة إذا كان نصًا مُترجمًا حيث تفقد اللغة العربية جمالها، ومما أثار الجدل أيضًا هو المُحتوى العبقري للنص والذي جعل كلًا منا يستشعر وكأن “فان جوغ” نفسه هو من ينطق بتلك الكلمات حيث أثار عواطفنا بالحزن بشكلٍ كبير وخلق بداخلنا مشاعر مُتدفقة ومُتأثرة بهذه الكلمات الأخيرة وهذا بلا شك ما جعل النص يخلد لأكثر من {30} عامًا حتى الآن.

وهذه إحدى كلمات الكاتب “نبيل صالح” والذي يُعبر بها عن مدى استيائه لذلك. وإن كنت أعتقد انه كان في قرار نفسه سعيدًا بعمله هذا بعض الشيء ذلك لأنه استطاع ان يُقنع القارئ العادي والنقاد أنفسهم بأنها بالفعل رسالة على لسان العبقري والفنان “فان جوغ”.

“فوجئت مؤخرًا بإنتشار نص لي كنت قد نشرته في جريدة تشرين في {22/8/1990} بعنوان “فان غوغ يكتب رسالته الأخيرة” حيث تناقله مئات الناس على مواقع المنتديات والإذاعات وكتب عنه نقاد مُختصون في الصحافة المصرية والمغربية والأردنية والخليجية .. كما سجله العشرات بصوتهم على اليوتيوب تحت عنوان “رسالة انتحار” أو “الرسالة الأخيرة” معتقدين أن “فان جوغ” هو كاتب الرسالة رقم {66} وأنها وجدت في جيبه بعد انتحاره في تموز {1890} أي قبل مئة عام من كتابتي لها.. والواقع أني عشت حالة من الخيبة بعدما نشرته في “تشرين” ثم أثبته بعد ذلك في نهاية كتابي “شغب” لعدم تفاعل أي من الفنانين السوريين مع هذا النص الأدبي الذي هو بمثابة 《دراسة في اللون الليلكي》 وعلاقته بالموت والحياة، مع تأويل جديد لانتحار “فان جوغ” وقطعه لأذنه قبل ذلك، وعمق رؤيته التي تفسر البعد النفسي للوحاته الشهيرة .. وقد أدت خيبتي هذه إلى توقفي عن كتابة النقد الفني لأعمال فناني الحداثة في سورية، بل إني قلت لنفسي مُواسيا إنهم مُجرد مُلونين أميين .. وبالعودة إلى النص أذكر أني كنت وقتها مُتأثرًا بالفلسفة الوجودية وقد كتبته بعد تأمل استمر أربعين يومًا لخط الأفق لحظة بزوغ الفجر ، كنت أعمل وقتها حارسًا ليليًا لمشروع بناء جديد لصالة مطار دمشق الدولي، والتي تقع على تخوم ريف دمشق الممتدة نحو البادية، في أوائل ثمانينات القرن الماضي .. راقبت أيامها تدرجات الليلكي على خط الأفق، مُتقمصًا شخصية “فان جوغ” ومُتخيلًا رسالته الأخيرة إلى أخيه ثيو التي يشرح له فيها سبب إقدامه على إنهاء حياته.“
— نبيل صالح


عزيزي ثيو:

إلى أين تمضي الحياة بي؟ ما الذي يصنعه العقل بنا؟ أنه يُفقد الأشياء بهجتها ويقودنا نحو الكآبة.

أنني أتعفن مللًا لولا ريشتي وألواني هذه، أعيد بها خلق الأشياء من جديد .. كل الأشياء تغدو باردة وباهتة بعدما يطؤها الزمن.. ماذا أصنع؟ أريد أن أبتكر خطوطًا وألوانًا جديدة، غير تلك التي يتعثر بصرنا بها كل يوم.

كل الألوان القديمة لها بريق حزين في قلبي، هل هي كذلك في الطبيعة أم أن عيني مريضتان؟
ها أنا أعيد رسمها كما أقدح النار الكامنة فيها.

في قلب المأساة ثمة خطوط من البهجة أريد لألواني أن تظهرها، في حقول “الغربان” وسنابل القمح بأعناقها الملوية. وحتى “حذاء الفلاح” الذي يرشح بؤسًا ثمة فرح ما أريد أن أقبض عليه بواسطة اللون والحركة… للأشياء القبيحة خصوصية فنية قد لا نجدها في الأشياء الجميلة وعين الفنان لا تُخطئ ذلك.

اليوم رسمت صورتي الشخصية ففي كل صباح، عندما أنظر إلى المرآة أقول لنفسي:
أيها الوجه المُكرر، يا وجه “فانسان” القبيح، لماذا لا تتجدد؟
أبصق في المرآة وأخرج …
واليوم قُمت بتشكيل وجهي من جديد، لا كما أرادته الطبيعة، بل كما أريده أن يكون:
عينان ذئبيتان بلا قرار، وجه أخضر ولحية كألسنة النار.
كانت الأذن في اللوحة ناشزة لا حاجة بي إليها. أمسكت الريشة، أقصد موس الحلاقة وأزلتها.. يبدو أن الأمر اختلط علي، بين رأسي خارج اللوحة وداخلها … حسنًا ماذا سأفعل بتلك الكتلة اللحمية؟.

أرسلتها إلى المرأة التي لم تعرف قيمتي وظننت أني أحبها.. لا بأس فلتجتمع الزوائد مع بعضها..
إليكِ أذني أيتها المرأة الثرثارة، تحدثي إليها… الآن أستطيع أن أسمع وأرى بأصابعي، بل أن إصبعي السادس “الريشة” لتستطيع أكثر من ذلك: إنها ترقص وتداعب بشرة اللوحة…
أجلس متأملًا:
لقد شاخ العالم وكثرت تجاعيده وبدأ وجه اللوحة يسترخي أكثر… آه يا إلهي ماذا باستطاعتي أن أفعل قبل أن يهبط الليل فوق برج الروح؟
الفرشاة، الألوان، و… بسرعة أتداركه: ضربات مستقيمة وقصيرة، حادة ورشيقة..ألواني واضحة وبدائية، أصفر، أزرق، أحمر.. أريد أن أعيد الأشياء إلى عفويتها كما لو أن العالم قد خرج توًا من بيضته الكونية الأولى.

مازلت أذكر:

كان الوقت غسقًا أو ما بعد الغسق وقبل الفجر؛ اللون الليلكي يُبلل خط الأفق… آه من رعشة الليلكي؛ عندما كنا نخرج إلى البستان لنسرق التوت البري، كنت مُستقرًا في جوف الشجرة أراقب دودة خضراء وصفراء بينما “أورسولا” الأكثر شقاوة تقفز بابتهاج بين الأغصان وفجأة اختل توازنها وهوت. ارتعش صدري قبل أن تتعلق بعنقي مستنجدة. ضممتها إلي وهي تتنفس مثل ظبي مذعور…
ولما تناءت عني كانت حبة توت قد تركت رحيقها الليلكي على بياض قميصي.. منذ ذلك اليوم، عندما كنت في الثانية عشرة وأنا أحس رحيقها الليلكي على بياض قميصي.. منذ ذلك اليوم، عندما كنت في الثانية عشرة وأنا أحس بأن سعادة ستغمرني لو أن ثقبًا ليلكياً انفتح في صدري ليتدفق البياض… يا لرعشة الليلكي.

الفكرة تلح علي كثيرًا فهل أستطيع ألا أفعل؟ كامن في زهرة عباد الشمس، أيها اللون الأصفر يا أنا، أمتص من شعاع هذا الكوكب البهيج.
أحدق وأحدق في عين الشمس حيث روح الكون حتى تحرقني عيناي.

شيئان يحركان روحي: التحديق بالشمس، وفي الموت.. أريد أن أسافر في النجوم وهذا البائس جسدي يعيقني!
متى سنمضي، نحن أبناء الأرض، حاملين مناديلنا المدماة.

ولكن إلى أين؟….إلى الحلم طبعًا.

أمس رسمت زهورًا بلون الطين بعدما زرعت نفسي في التراب، وكانت السنابل خضراء وصفراء تنمو على مساحة رأسي وغربان الذاكرة تطير بلا هواء، سنابل قمح وغربان. غربان وقمح … الغربان تنقر في دماغي: غاق… غاق..
كل شيء حلم، هباء أحلام، وريشة التراب تخدعنا في كل حين.. قريبًا سأعيد أمانة التراب، وأطلق العصفور من صدري نحو بلاد الشمس.. آه أيتها السنونو سأفتح لك القفص بهذا المسدس
القُرمزي يسيل دم أم النار؟
غليوني يشتعل، الأسود والأبيض يلونان الحياة بالرمادي، للرمادي احتمالات لا تنتهي: رمادي أحمر، رمادي أزرق، رمادي أخضر.
التبغ يحترق والحياة تنسرب. للرماد طعم مر بالعادة نألفه، ثم ندمنه، كالحياة تمامًا، كلما تقدم العمر بنا غدونا أكثر تعلقًا بها… لأجل ذلك أغادرها في أوج اشتعالي .. ولكن لماذا؟ إنه الإخفاق مرة أخرى؛ لن ينتهي البؤس أبدًا…
وداعًا يا ثيو، سأغادر نحو الربيع.” فنسنت”
بقلم/ نبيل صالح


زر الذهاب إلى الأعلى