شهر العرب…قصة قصيرة بقلم نجوى عبد الجواد


يعشق جدي الاستيقاظ مبكرا ومتابعة نشرة الأخبار. منذ ماتت جدتي نلِّح عليه أن يبقى معنا، – جدي ليس بعيدا إنه في الدور الأول ونحن الذى يليه – لكن من قبيل إيناسه والاهتمام به. كان عندنا في هذا اليوم، كنت نائما حينما استيقظت على تكبيرات جدي وسجوده على الأرض، فركت عينيّ وأنا أبحث عما حدث جاء والدى، نوم أمي ثقيل، استيقظ حسن علي أصوات تكبيراتنا، العالم كله يقف على قدم واحدة، ذهول وعدم تصديق، قالوا طوفان وصدقوا! العدو في أضعف حالاته كما يقول جدي، آه لو أحطنا به جميعا، سوف يفرون أمامنا كالجرذان. شعور الكرامة ما أعظمه، انتصارك على عدوك يجب أن يكون هدفك الأول في الحياة. هكذا يعلق جدي علي ما نرى. ساعات متواصلة نتابع، تعبنا لكننا سعداء، زغردت أمي حينما استيقظت. قال جدي إن أول ما سمعه من أمه يوم السادس من أكتوبر كانت الزغاريد،يضحك ويقول :شعرت حينها أن أمي شابه في العشرين من قوة صوتها .
نشعر بإرهاق جدي، ، يغلق أبي التلفاز برغم غضب جدي :أنت مريض قلب يا بابا، خفِّف من انفعالاتك،استريح شويه وارجع .
أنا أدرى بصحتي، دي أيام للتاريخ، كيف أتركها وأنام؟!
سعيت لتهدئة جدي مبتسما :
نرتاح قليلا يا جدي ثم فاصل ونعود. يقول منتصر.
مش شاعر برغبة فى النوم. يقول جدي.
، راحة فقط يا جدي العزيز.
الفرح عزيز يا منتصر ، نفسنا نفرح يا حبيبي .
بابا خايف عليك يا جدي تعالي نرتاح في أوضتنا شويه ونرجع تاني.
لا، أنا نازل تحت.
وحياتي عندك يا جدو تيجي معانا. قلت لا، خلاص نازل .
يحيط الصغير حسن عنق جده بيديه من الخلف ويسحبهما منتصر وسط ضحكات الجميع إلى حجرتهم.
ألقى الجد بالصغير على سريره وألقي بنفسه بجانبه وهو ينهج.
شوف بقى بقيت عجوز مش قادر تشيلني.يضحك حسن.
يعتدل محمود ناحيته ويزغزغه وهو يستنكر قوله: مين ده العجوز يا عجوز ده أنا أصغر منك ياواد يا حسن . يتضاحكان ومعهما منتصر الحفيد الأكبر الذى يقول : كلنا فرحانين يا جدي بس بابا خايف عليك.
يعتدل ناحيته وكأن طودا عظيما جثم على صدره :
بابا ربنا نجاه من مرارة الهزيمة العلقم ، ورحمه من الشعور بالذل، بابا معرفش يعني إيه شعب ينهزم ولا إحساس اللي أرضه تتسرق.
انفرجت أسارير وجهه وهو يقول :ومكنش موجود معانا علشان يشعر بطعم النصر ولا روعة رجوع كرامتنا اللي ضحينا بأولادنا علشانها .
احكِ لنا يا جدي، أنت كنت بتحارب الوحشين دول ؟يسأل حسن.
أنا خرجت محطَّم من النكسة موجوع الروح، منهك الجسد، وبعدين مقدرتش وسافرت.
هربت يا جدي؟
نظر محمود نظرة من تفاجأ بالكلمة،
شعر منتصر بقسوة الكلمة التي خرجت منه فقبَّل رأس جده معتذرا.
لم أتحمل وجودي فيها يا منتصر وهي حزينة، مكسورة تتشح بالسواد،صبحها زي ليليها، خرجت حامل الهزيمة على كتافي، هربت؟! جايز بس هربت من نفسي يا حبيبي،من أصحابي اللي ماتوا جنبي على الجبهة، من نظرات الناس لينا وإحنا راجعين، حاولت أكون نافع لها وأنا بعيد يا منتصر، لو بقيت مكنتش هنفع حتى روحي.
رحت فين ؟ يسأل منتصر.
اشتغلت في دولة عربية وكنت بحول اللي باخده لأهلي، وأحتفظ لنفسي بالقليل، عذاب الغربة يا منتصر كان أهون من عذاب الهزيمة.
الغربة لها عذاب يا جدي؟ مندهشا يسأل الصغير حسن.
أزاح رأسه إلى الخلف وقال أقسى عذاب يا حسن كان ذكر وطنك وهو مهزوم!، في الفترة دي ولو تلميح ولو دون قصد ولو… ولو.
وفضلت هربان لإمتي؟ يسأل حسن.
أنت يا. ولد يعنِّفه منتصر.
سيبه يا منتصر، فضلت يا سي حسن لغاية ما رجعت لي روحي.
إزاي يعني. مستفهما الصغير.
يقرص الجد خديه ضاحكا:لما تكبر هتفهم.
يتجه الجد محمود ناحية منتصر ويقول :
خرجت بسبب الوطن وعدت بسبب الوطن.
دي فزورة ولا إيه؟! يجلس الصغير مبتسما.
تحملت متاعب الغربة وصعوبة العمل إلى أن كان يوم خمسة أكتوبر سنة ٧٣.
ده قبل الحرب بيوم، حصل إيه يا جدي.متشوقا منتصر.
أثقل علينا صاحب العمل أنا وجنسيات أخرى معظمنا عرب ، اختاروني أنقل اعتراضهم لصاحب العمل، إما يخفض عدد الساعات أو يعتبر الزيادة مقابل أجر.
وليه اختاروك أنت بالذات؟
ينظر لحسن ويقول :علشان كان عندي لسان طويل زيك يا أبو علي.
يضحك حسن.
مطلب عادل يا جدي. يعلق منتصر
صحيح ، لكن صاحب العمل غضب واعتبرني أتحدث من نفسي وأحرِّض العمال وقال لي :تتزعمهم يا مصري، تبغى مشاكل في العمل، طيب يا عم روح حل مشكلتكم مع إسرائيل الأول. قالها ساخرا. شعرت بخنجر يمزقنى أشلاء، تماسكت، حاربت ألأ تنزل دموعي أمامه ، قدَّمت استقالتي فورا وعدت إلى مسكني. استسلمت لبكاء لا أعتقد أننى بكيت مثله إلا أمام أمي بعد عودتي من الجبهة! ، كنت متعبا، مؤرقا، أجَّلت تجهيز حقائبي للغد ورفعت سماعة الهاتف ووضعتها بجواره ، كنت أرغب في الهروب من هذا الصداع الذى لم تُجدِ معه المسكنات.
لهذه الدرجة يا جدي؟!
وكأن كل هذه السنوات لم تمر،
لا قيمة للزمن عندما تتلبسنا الذكريات، خارجه من قلبه الذى وهن يقول :دي مصر يا منتصر، مصر!
فيها حاجة حلوة. يغني الصغير.
مصر كلها حلوة. يرد الجد.
زارك النوم ليلتها يا جدي؟! يحاول منتصر أن يخرج جده من هذه الانفعالات.
بعد الفجر نمت يا منتصر. نمت وصحيت على طرقات شديدة تكاد تخلع الباب، قمت مفزوعا، لمحت المنبه الساعة تلاته العصر ، فتحت الباب، صاحب العمل يأخذني بالحضن، ويقول انتصرنا يا محمودانتصرنا، مبروك يا محمود مبروك . أنا في ذهول؛ مش عارف هو بيتكلم عن إيه، أسرع زميلي بفتح الراديو على الإذاعة المصرية، بيان من القوات المسلحة: نجحت قواتنا المسلحة في اقتحام قناة السويس على طول المواجهة… صرخت، الله أكبر، سجدت، بكيت، بكيت. بحرارة ، ظللت ساجدا أبكي حتى سحبني صاحب العمل والزملاء، تنقلت بين أحضانهم والدموع تغرقنا ، الأغاني تنطلق من الإذاعة،ومن التلفاز.
يمسح حسن دموع جده التى نزلت على خده.
لحظة عظيمة لاتنسي يا جدي. يقول منتصر .
ومين ينسى عودة روحه يا حبيبي ؟! .
بعد التصرف النبيل ده من صاحب العمل بقيت طبعا.
نظرة استنكار تجاه منتصر :بقول لك مصر انتصرت، كرامتنا رجعت، رفعنا راسنا، رجعت أشوفها وهي لابسه توب النصر، جيت أقابل روحي اللي اتسحبت مني مع الهزيمة، جيت أفرح مع مصر يا ولاد أفرح مع مصر أشارك في بناها من تاني، الفرحة حلوة يا ولاد، النصر حياة يا شباب .
شعر منتصر أنه كان بحاجة إلى هذه الجِلسة مع جده.
العشا يا بابا. يدخل والدهم يقبل يد الجد محمود الذى شعر بالشبع قبل أن يأكل. الجميع جلوس حول المائدة . خلف الجد صورة زيتية تضمه وولده ومنتصر وخلفهم الأهرامات الثلاثة، وقرص الشمس ينثر ضوءه على الجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى