في حضرة الهاتف تغيب الأرواح …. مقال بقلم منى الشوربجى


في حضرة الهاتف تغيب الأرواح …. مقال بقلم منى الشوربجى

كأنما صارت الأيادي امتدادًا لشاشة، والأنفاس متقطعة على نغمة إشعار. زمنٌ جديد لم ندخله من أبوابه، بل تزحلقنا إليه على سطح أملس من البلادة، حتى غرقنا فيه بلا مقاومة. الهواتف الذكية – ويا لسخرية الاسم – صارت أذكى منا، تعرف متى نخاف، ومتى نرغب، ومتى نغضب، وتُسقينا مما نحب وتبعدنا عمّا يجب.
فى زمن الهواتف لم نعد نحملها نحن بل صارت تحملنا هى .الأطفال ينمون بأعينٍ معلّقة على الشاشات، لا في أحضان تُغنيهم دفئًا وتربية. والشباب يبحثون عن قيمتهم في عدد متابعين، لا في عمق إنجاز. حتى الكبار، مَن عركتهم الحياة، صاروا أسرى عوالم زائفة تسكن جيوبهم.
ما عدنا نرفع أعيننا للسماء، ما عدنا نسترق الخشوع لصلاة، ولا ننتبه لدمعة طفل أو انكسار نظرة في عين أم. نسينا المواعيد، والواجبات، والخلُق، والجار، والدفء البشري. نسينا أنفسنا.
كلمتني صديقة ذات مساء، وقد تسرب الحنين من صوتها، وقالت:
“لو عملنا بروفة ليوم القيامة، وقلنا إن الوقت خلص، وإن كل واحد هيقابل كتابه الآن، هل هنلحق نراجع ما كتبنا؟ هنلحق نمسح، نعتذر، نصلّي، نحب، نرجع لأولادنا، نفتح المصحف اللي مابقيناش نلمسه؟”
تخيلنا أن الموبايل وسيلة، فإذا به غاية. أن يكون أداة، فإذا به سيّد. نلجأ إليه لنملأ فراغًا، فإذا به يخلق فراغات أعمق. نتسلى به ساعة، فيسرق العمر.
أين ذهب التبسم في وجه عابر؟ أين صارت ملامح أولادنا في أعيننا؟ كم صلاة فُقِدت لأن إشعارًا وصل؟ وكم عتاب تأجل لأن حديثًا افتراضيًا استهلك القلب؟
بل كم من الأوقات الجميلة مرّت، دون أن نعيشها فعلاً، لأننا كنّا نُصوّرها فقط؟
لم نعد نحفظ آيات، نحفظ كلمات سرّ. لم نعد نتحدث مع الله، بل مع روبوتات.
صرنا نستيقظ على شاشة، وننام على شاشة، ونموت بداخل شاشة.
فلنسأل أنفسنا بصدق:
لو جاءت اللحظة… لحظة العرض على الله، لحظة انكشاف المستور،
هل سنمد لله يدًا طاهرة؟ أم سنبحث عن زر “حذف” لا يعمل في كتاب أعمالنا؟
هل سنبكي من الشوق أم من الحسرة؟
عودوا. عودوا قليلاً.
دعوا الهاتف جانبًا، ولو ساعة في اليوم.
اجلسوا مع أنفسكم، صلوا، تحدثوا، امشوا، تنفسوا.
انظروا في عيون من تحبون، لا صورهم فقط.
افتحوا كتابًا، لا تطبيقًا.
واجعلوا لله نصيبًا من وقتكم قبل أن يُغلق الكتاب،
وتُطوى الصحائف،
ونبكي…
لكن بعد فوات كل إشعار.
