كتاب في سطور : ” خلف المرايا ” ….مجموعة قصصية للأديبة إيناس سيد جعيتم – تقديم صالون لطائف للإبداع للأديبة إيمان حجازي


كتاب في سطور : ” خلف المرايا ” ….مجموعة قصصية للأديبة إيناس سيد جعيتم – تقديم صالون لطائف للإبداع للأديبة إيمان حجازي

خلف المرايا: قراءة نقدية في المجموعة القصصية خلف المرايا للاديبة إيناس سيد جعيتم
تتكوّن من ٣٧ قصة قصيرة، وتمتد على ١١٨ صفحة، وتقدّم نموذجًا متماسكًا لفن القصة القصيرة في ثوبه الحداثي، دون أن تتخلى عن جذورها الكلاسيكية.
قال يوسف إدريس: “القصة القصيرة كالرصاصة، يجب أن تتجه نحو هدفها مباشرة”، وهذا ما تلتزم به الكاتبة في معظم نصوصها، حيث تتسم قصصها بالتكثيف والترميز غير المبهم، وتبتعد عن المباشرة، لتمنح القارئ مساحة للتأويل والتفاعل العقلي مع النص.
تنوّعت الضمائر في المجموعة حسب مقتضيات كل قصة، إلا أن الراوي العليم كان الأكثر حضورًا.
ورغم هيمنة السرد، فإن الحوار لم يُهمَل، بل وظّفته الكاتبة بذكاء لإبراز الحدث، مع براعة واضحة في استخدام المونولوج والديالوج، كما يتجلّى في قصة قبر من زجاج، التي تبرز فيها العلاقة الروحية بين السائلة والولي في مشهد حواري داخلي عميق.
تلتزم الكاتبة بأركان القصة القصيرة (الفكرة، الحبكة، الزمان، الشخصيات، المكان)، لكنها لا تتوقف عندها، بل تنزع إلى التجريب والحداثة في البناء الفني، وتكتب بأسلوب صنفه النقاد ضمن الحداثة وما بعدها، حيث تقفز إلى الميتا-سرد، وتمنح الحدث دور البطولة، بدلًا من الشخصيات التقليدية.
هذا النهج يظهر بوضوح في خلف المرايا، كما في مجموعتها الأخرى فاتح شهية، التي فازت بجائزة النشر الإقليمي لإقليم القاهرة الكبرى عام ٢٠١٩/٢٠٢٠.
انعكست الخلفية الشعرية للكاتبة على أسلوبها، فهي زوجة شاعر ولها محاولات شعرية جيدة، مما منح نصوصها دقة في الوصف، وجمالًا في التصوير، وسلاسة في الربط بين الأحداث.
امتازت قصصها بالتكثيف والترميز دون ازدحام، بلغة عربية سهلة الهضم، بعيدة عن التعقيد الاستعراضي، مع تركيز على الجوانب النفسية للشخصيات وعوالمها الداخلية.
تطلق الكاتبة من خلال قصصها صرخة احتجاجية عميقة، تلامس البعد الإنساني والنواحي التاريخية والفنية والسياسية.
وللتناص حضور واضح، استلهمته من نصوص قرآنية وقصص تراثية، كما تركت بعض النهايات مفتوحة، لتمنح القارئ حرية التخيل والتصور.
واقدم تحليلي لثلاث نماذج من قصص المجموعة:
والتقطتُ أنفاسي :
قصة سردية ناعمة، تنبض بالحياة المكبوتة والتوق للحرية.
البطلة تنظر لحذائها الجميل الخانق، الذي لا يقيّد قدميها فحسب، بل يرمز إلى قيود المجتمع.
“نظرت له بإعجاب يشوبه شيء من التوقير، كان فريدًا حقًا، من سواد براق أكاد أن أرى ملامحي الغرقى فيه، لأحمر ناري يكاد يلفحني بباطنه.”
خلع الحذاء كان لحظة تحرر، وشرخًا في جدار القيود، وانطلاقة نحو الطبيعة والحرية، لكن القيود تأبي تحررها، في هيئة ضحكة ساخرة من الحذاء المنقلب، الذي يأمرها بالعودة، وكأن قطار الأماني قد ولى.
قبر من زجاج
قصة عن العوالم الموازية، الروحية، التي تعيش فيها صاحبة الحاجة.
عالم بديل لعالم مادي، تتداخل فيه المشاعر بين الرفض العقلي والاستسلام الحسي.
مناجاة عشق بين المريدة والولي المغيّب، في برزخ زجاجي هش، حيث يُفقد الإيمان وتُعمى البصيرة.
اللغة متفردة، والمكان له شخصية، والهالة الروحية للولي تتفاعل مع مشاعر الساردة، في تواصل روحي يتجاوز الحواس
أوراق الزيتون
قصة رمزية عميقة، تشير إلى فطرة الإنسان ورغبته في التملك، حتى لو كان ما يريده ملكًا لغيره.
رجل يأكل قضمة من تفاحة، فيعاني من فعلته، في تناص مع قصة آدم وحواء، ومع قصة يوسف عليه السلام في الخاتمة:
“خلع رداءه وألقاه عليه، ارتد الهواء لرئتيه، ارتمى بحضن أبيه متدثرًا بأوراق الزيتون.”
القصة تنتهي بلحظة تطهر روحي، حين يشق البطل صدره ويخرج السواد، في مشهد رمزي مؤثر.
اختم رؤيتي عن المجموعة القصصية خلف المرايا بقولي:
خلف المرايا ليست مجرد مجموعة قصصية، بل تجربة سردية ناضجة، تجمع بين التكثيف والرمزية، وبين الكلاسيكية والحداثة، وتطرح قضايا إنسانية بروح فنية عالية.
إيناس سيد جعيتم تكتب القصة القصيرة كما تُكتب القصيدة الشعرية ففيها إيقاع وموسيقى داخلية، وصورة مشهدية الواقع المعاش، وصرخة مكتومة تبحث عن الحرية.
هذا وقد تم مناقشة المجموعة في منتدى لطائف الإبداع في حضور الأديبة إيمان حجازي مديرة المنتدى يوم الاثنين ٤ اغسطس٢٠٢٥




