الرحلة بين الظل والنور : قراءة تأملية في قصيدة “رحلة” للدكتورة ريهان القمري بقلم سمير إبراهيم زيّان

سافرتُ بين مقامرٍ و نبيْ
وفهِمتُ سرَّ شريفةٍ و بغيْ

و السرُّ يُوقِظ ُفي الفؤادِ يقينَه
قد يستقيمُ الضَّالُ بعد الغيْ

وجَّهت ُقلبيَ حيثُ بوْصَلة ُ الهُدى
و شرَدت بين المشتهى و الضي

وأنا وروحيَ في هُيامٍ دائمٍ
في عالمٍ بالمستحيلِ غنيْ

“””””””””

وُلدت بصدريَ طفلة ٌ مجنونة ٌ
وتشاكسُ العقلَ الفطينَ الحيْ

وتَصَارَعَا ، بينَ الدُروبِ تفرقا
وتصَالحَا بعدَ الوغىَ المُؤذيْ

وسألتُ : هل هذا فصامٌ ؟
أنكروا
و البعضُ أكَّدَ دائيَ المرضيْ

نفسي ثلاثٌ في الخفاءِ تنازعوا
كان التوترُ بينهم قدريْ

تقسو العجوزُ لكيْ تُروضَّ طفلة ً
وتقومُ تَفرِدُ ظهرَها المحنيْ

أصبحت ُ نِصفا من حكيمٍ روحُهُ
ثارتْ ، تُعلِّمُ نصفَهُ الأُميْ

“”””””””

العمرُ يبدأُ من نهايةِ لحظةٍ
كشفت حقيقة َ رحلةِ الإنسيْ

ويعيشُ ، مهما عاشَ تأتي لحظة ٌ
لتودعَ الأنفاسُ صدرَ شقيْ

هذي الحياةُ نهايةٌ في رحلةٍ
وهي البداية ُللردى الحتميْ

وجميعُنا حَكَمَت خطُانا فتنة ٌ
و يقودُنا إنسانُنا الآليْ

“””””””””

كلُّ ابنِ آدمَ شاربٌ من بئرِهِ
ساقٍ ، و يملأ ُ دَلوَهُ مَسقيْ

مُستَخلَفٌ في الأرضِ بعد وصيةٍ
تركَ السماءَ بشكلِهِ الأرضي ْ

مُتجرِّدًا من سترِهِ نزلَ الدُّنا
ويعودُ منها عاريًا و حفيْ

كتبتْ يدُ الإنسانِ اسمَ وليدِه
نحتتْ يدُ الأقدارِ سمتَ صبيْ

يجري …يسابق ُ أمنياتِ حياتِه
و يعودُ يحضِنُ عمرَه المنسيْ

دوما يُشَتَّتُ بانعكاسِ ظلالِه
يحيَا ليسترَ رجسَهُ المَخفيْ

هذا ابنُ آدمَ نفسُه شيطانُه
والرُّوحُ من نورِ السنا القدسيْ

ويَخيبُ من دسَّ الأنا بظلامِها
إنَّ الفَلَاحَ لمن يُزكي الضيْ

في زمنٍ تتآكل فيه الروح تحت وطأة الآلة ، وتتهاوى فيه المعاني خلف زيف اللحظة ، تأتي قصيدة ” رحلة ” للدكتورة الشاعرة ريهان القمري كنداء داخلي لاستعادة الإنسان الضائع ، والكشف عن معناه المركّب . قصيدةٌ لا تحكي…. بل تكشف ، لا تصف…. بل تُبصِّر ، تأخذ قارئها في سفرٍ تأمليّ بين ضفاف الذات المتصدّعة ، وجغرافيا الروح الباحثة عن خلاصها .

العنوان : مفردة عابرة تحتضن المطلق

القصيدة تبدأ من عنوانها بكلمة : ” رحلة ” ، وهي كلمة بسيطة ظاهريًا ، لكنها تحتمل ثقلًا وجوديًا هائلًا . ليست رحلة سياحية أو عبورًا ماديًا ، بل رحلة في وعي الإنسان ، في مجاهل نفسه ، في مناطحته لظلاله وأشباحه .

إنه سفرٌ بين المقامر والنبي ، بين البغيّ والشريفة ، بين الطفلة والعجوز ، بين الإنسان وظله . هو نصّ تأويلي بامتياز ، لا يُستهلك في قراءة واحدة ، بل يورّط المتلقي في شبكة من الأسئلة النفسية والروحية والأنطولوجية .

مقامرة الروح : بين السقوط والصعود

” سافرتُ بين مقامرٍ و نبيْ
وفهِمتُ سرَّ شريفةٍ و بغيْ…. “

منذ البيت الأول ، نحن أمام ثنائية مركبة : مقامر ونبي ، شريفة وبغي . الشاعرة ترفض التصنيف السطحي للأشياء ، فهي تقول بلغة رمزية : ” الضالّ قد يهتدي ، والفاسق قد يفهم ، والخير والشر يتقاطعان داخل الذات ” .
هذا الحياد الإنسانيّ هو بداية الكشف : لا أحد خيرٌ محض ، ولا أحد شرٌّ مطلق . الإنسان في القصيدة كائن غير مكتمل ، يتشكّل في ارتحاله .

القلب بوصلته…. والضياع طريقه

” وجَّهت ُقلبيَ حيثُ بوْصَلة ُ الهُدى
و شرَدت بين المشتهى و الضي…. “

تصف الشاعرة تجربة الإنسان الوجودية ؛ كيف يكون القلب ناصحًا بالهدى ، بينما النفس تجنح إلى المشتهى . وبين هذا وذاك، تضيع الروح في عالم ” غني بالمستحيل ” ، أي أنها تظل تواقة لما لا يُنال .

النفس تُقاتل ذاتها : المعركة الصامتة

” وُلدت بصدريَ طفلة ٌ مجنونة ٌ
وتشاكسُ العقلَ الفطينَ الحيْ….”

هنا نُطلّ على التمثيل الداخلي للذات ؛ صراع النفس العفوية ( الطفلة ) مع الوعي الناضج ( العقل الفطين ) . وبين الشدّ والجذب ، يُستدعى سؤال الفصام .
لكن الشاعرة تؤنسن هذا التمزّق ، وتعيد تشكيله : ليس مرضًا ، بل صراع طبقات داخلية تتفاوض على المعنى .

النهاية…. هي البدء الحقيقي

” العمرُ يبدأُ من نهايةِ لحظةٍ
كشفت حقيقة َ رحلةِ الإنسيْ….”

النضج ، أو لحظة الانكشاف ، لا تأتي مع السنين ، بل عند لحظة مواجهة الذات بالحقيقة .
تستحضر الشاعرة هنا البعد الصوفي العميق : فالحياة ليست إلّا ستارًا مؤقتًا، و” الردى الحتمي ” هو الباب نحو المعرفة العليا .

الهبوط من العلياء إلى الطين…. والعكس

” مُستَخلَفٌ في الأرضِ بعد وصيةٍ
تركَ السماءَ بشكلِهِ الأرضي…. “

الإنسان – كما في التصور القرآني – هبط ، لكنه لم يفقد جذوره النورانية . هو كائن معلق بين السماء والأرض ، بين الوصية والشهوة ، بين القداسة والرجس .

الإنسان : بين شيطانه ونوره

“هذا ابنُ آدمَ نفسُه شيطانُه
والرُّوحُ من نورِ السنا القدسيْ….”

تختتم القصيدة بحقيقة صادمة : الشيطان داخلي ، ليس خارج الذات.
لكن فينا أيضًا نور . ومن زكّى نفسه ، وتطهّر من ظلام ” الأنا ” ، نجا وفلح . فالضوء لا يُطلب من الخارج ، بل يُستخرج من القلب .

ختامًا :

” رحلة ” ليست مجرد قصيدة ، بل مرآة شعرية تنعكس فيها صور التمزّق الإنساني ، والحيرة النفسية ، والطموح الروحي . هي سفرٌ لا إلى الخارج ، بل إلى الداخل ؛ حيث تُولد الأسئلة وتتشكل الهوية .
ريهان القمري هنا ليست مجرد شاعرة ، بل حكيمة روحانية تمسك القلم وكأنها تمسك مشعلًا في كهف النفس ، تضيء وتفتح وتُعلِّم .

ف تحية للشاعرة ،
ولرحلتها التي لم تَسِر بنا في الدروب ، بل فينا نحن .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى