من أسرار اللغة العربية … مقال بقلم د.وجيهة السطل

إذا علمنا أن
اللغة العربية -شأنها شأن سائر اللغات – مجموعة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم.
وأن هذه الأصوات تتركب في وحدات إيقاعية صغيرة مكونة الكلمة، ثم في وحدات كبيرة مكونة الجملة- أدركنا أهمية التوافق الصوتي والانسجام الموسيقي بين هذه الوحدات الصوتية.
وإذا حللنا لغتنا العربية الجميلة، وجدنا أن جمالها يكمن في تناغم أصواتها مع الدلالات المعنوية الغنية، التى تعكسها تلك الوحدات فى الذهن.
ويتكون الإيقاع من تعاقب حركات وسكنات وأصوات – تختلف من حيث الطول والقصر، والشدة والضعف والصفير والهمس– تعاقبا يميل إلى نوع من النظام والترتيب .
وقد يذهب قوم إلى القول: إن هذه الميزة الموسيقية فى اللغة العربية، إنما ترجع إلى الإعراب، وإنه لحق لا ينكره إلا مكابر، أن من ميزات العربية إعرابها. وقد ورثت هذه الميزة عن السامية. الأم
وللغة العربية فلسفتها الخاصة بها،شأن كل اللغات:فلكل لغة قوانينها الخاصة، وفلسفتها التركيبية التي تحكمها، وترسم من خلالها نظام الجملة فيها. ، هذا النظام الذي يدخل في نسيج تفكير الأمة، والذي يميزها عن غيرها من الأمم، ويرتبط بجذور اللغة التاريخية والحضارية، ويخضع للقوانين الصوتية والصرفية والنحوية للأسرة اللغوية،التي تتفرع منها هذه اللغة. واللغة العربية تنتمي إلى أسرة اللغات السامية التي منها: العبرية ، والآشورية، والأكادية، والبابلية، والسومرية، والحبشية، واليمنية القديمة؛ ولذا فهي تشترك معها في كثير من الخصائص، وتتميز عنها بأنها حافظت على موسيقاها، وإيقاعاتها المتناغمة ، عن طريق الإعراب الذي تتنوع معه حركة أواخر الكلمات باختلاف وظائفها في الجملة، ودورها في المعنى..
وتتكون الجملة العربية من مجموعة ألفاظ يرتبط بعضها ببعض ارتباطا خاصًّا بحروف معينة ،تعطي الفعل معناه.وتسهم في تكاثر الثروة اللغوية.من ذلك: -سرت في : مشيت
-سرت على : اقتديت.
-سرت إلى:مشيت إلى هدف محدد.
وللجملة نظامها الترتيبي الذي يتضح به معناها. ويخضع ترتيب هذه الألفاظ في الجملة لنسق معين لا يجوز تغييره؛ لأن في تغييره خروجًا عن فلسفة اللغة العربية في التركيب، وقد يؤدي إلى إفساد الغاية المرجوة من اللغة، وهى التعبير عما يجول فى الذهن، وإفهام الاخرين بصورة جليّة واضحة.
والجملة العربيةآ على نوعين: إما أن تبدا بالاسم فتكون جملة اسمية. لها أسسها ونظامها وضوابطها التي حددها أوائل العرب المتكلمون بها.
أو تبدا بالفعل فتكون جملة فعلية لها أيضًا فلسفتها وضوابطها.
وذكرنا أن اللغة العربية كسائز
مكوِّنًا
الكلمات. ولكل صوت من هذه الأصوات صفاته الفيزيائية التي تميزه عن غيره، كما أن له مخرجًا محدَّدًا فى جهاز النطق لا يشاركه فيه صوت آخر.
وعلى القارئ العربي أن يعرف هذه المخارج جيِّدًا، ويتقنها إتقانًا..وخير مُعين على ذلك، الاستماع إلى القرآن الكريم بصوت كبار القراء، لأن كثرة الاستماع ترسخ اللفظ صحيحا في السمع، فيستقيم نطقه لها فيما بعد.
و النطق السليم يأتي بالمحاكاة، دون أن ندخل الطالب غير المتخصص’ فى حديث الصوتيات، وخصائص الأصوات العربية، وطبيعة مخارج الحروف،
ولكل لفظة في اللغةالعربية معناها ودلالتها اللغوية التي وضعت لأجلها . ولأنّ اللغة كائن حي. فإن ألفاظها تكتسب عبر رحلتها الطويلة، كثيرًا من المعاني المجازية والاصطلاحية والاجتماعية. فتتطور وتتكاثر ،أو تموت بعض ألفاظها موتا إكلينيكيا عندما يتوقف أهلها عن استخدامهأ،لأسباب اجتماعية أو مجتمعية.
وينبغي أن نعلم أن عناية العرب بلغتهم ، واهتمامهم بأصواتها- تلاؤمًا وانسجامًَا وائتلافَ مخارجَ – ليس إهمالا منهم لدلالات هذه الألفاظ،بل محاولة منهم لتبليغ هذه الدلالات، في أدق صورة وأوضحها وأجملها. فالصائغ قد يصوغ من الذهب حِلية رائعة، وقد يصوغ أخرى لا ترتاح إليها الأنظار، ولا تألفها الأذواق، والمادة المستخدمة في كليهما ثمينة لا غبار عليها. وكل ما فعله العرب
-كمايقول الجاحظ في البيان والتبيين – أنهم اعتَنَوْا بالألفاظ عناية فائقة، لأنها خدم المعاني، والمتصرفة في حكمها، ولا يمكن أن يستحسن اللفظ لذاته، إذا لم يعبر عن معنى يحمَده العقل، ومن اهتم باللفظ من دون المعنى، كان كمن أزال الشيء عن وجهته، وأحاله عن طبيعته .
و يكتسب اللفظ قوته واحترامه، من جلالة معانيه ودقة التعبير عنها.وكانت أشرف اللغات وأقدسها حين اختارها رب العالمين ، وعاء لآيات القرآن الكريم.ولن تضعف أو تندثر فقد تعهد العظيم’الجليل بحفظها فقال :
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}،
الحجر:٩

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى