رواية فاتن : “الحلقة السادسة” بقلم حسين الجندي


رواية فاتن : “الحلقة السادسة” بقلم حسين الجندي

نزل (زياد) من حافلة المدرسة، والبسمة تعلو وجهه، استقبلته والدته (ناهد) وسعادة الدنيا تقفز من عينيها؛ فقد رزقها الله به بعد سنوات عجاف من الانتظار، وبعد محاولات عديدة من الفحوصات والتحاليل والعمليات..
لكن للحق، هو يستحق تلك المعاناة وأكثر..
(زياد) طفل في الصف الثالث الابتدائي، وهبه الله وجهًا وسيمًا وبشرةً بيضاء ناعمة، فضلًا عن طلته البهيّة التي تأخذ عين كل من ينظر إليه..
ذكاؤه الحاد مثار إعجاب كل معلميه، كثيرًا ما كانت (ناهد) تحسد نفسها على عليه، وتشعر بحُسن حظها..
أما والده (أشرف) فهو رجل أعمال ناجح ، مخلص للغاية لزوجته، صبر معها حتى تجاوزا معًا محنة عدم الإنجاب لسنوات، ولم يفكر ولو للحظة في الزواج من غيرها؛ فهي تستحق هذا الوفاء..
هو شاب عصامي بنى نفسه من الصفر، ظل يعافر في الحياة حتى صار رجل أعمال يحوِّل التراب إلى ذهب ، بفضل الله ثم مهارته، ودأبه، وتفكيره الدائم خارج الصندوق..
عادت (ناهد) بذاكرتها سنوات إلى الوراء، وتحديدًا عندما صارت أنثى مكتملة تمضي نحو الزواج، تعرفت على (أشرف) في أحد (المولات)..
كان وقتها يعمل محاسبًا مهمًا..
اختلفت مع (الكاشير) في حساب أحد المشتريات، أصر على رأيه، وأصرت هي بدورها على رأيها، حتى احتدم النقاش وعلت أصواتهما، في تلك اللحظة، ظهر (أشرف) في أبهى حلة، كفارس نبيل على حصان أصيل، ابتسم لها ابتسامة عريضة أشرقت معها الدنيا أمام عينيها..
حين رآها دخل قلبها منذ اللحظة الأولى وبدون استئذان، هل هذا هو الحب من أول نظرة؟ ربما..
بعد لحظات، حلّ المشكلة، مقدمًا لها أرقى آيات الاعتذار مع هدية بسيطة لم تنسها إلى اليوم:
وردة حمراء تحمل على غصنها شعار (المول)..
مرّت أيام قليلة، وكان (أشرف) يطرق بابها ويطلب يدها من والدها، رفرف قلبها، وافقت بدون تردد، وكأنها كانت تنتظره على وعد مسبق بينهما.
أقيم الفرح، وعزمت فيه جميع صديقاتها، ومن ضمنهن…
.
.
.
(فاتن).
قادت (ميار) سيارتها عائدةً إلى بيتها، وهي منهكة بعد سهرة استثنائية مع (فاتن)..
ظلّت طوال الطريق تتعجب من حفاوة وإكرام (فاتن) لها، خاصة وأنها ليست صديقتها المفضلة.
أخذت تعود بذاكرتها لسنوات وسنوات إلى الوراء، حتى توقفت عند مشهد واحد ظلت لسنوات بعده لا تستطيع تفسيره..
لقد رأت والدة (فاتن) تجثو على ركبتيها وتستجدي والديها، ومن يومها لم ترَ (فاتن) ولا والدتها، ولم تستطع حتى اليوم تفسير سبب ما حدث، كانت كلما سألت والدتها عن الأمر غضبت منها غضبا شديدا وطلبت منها فقط ترك صداقتها مع (فاتن) وإلى الأبد..
والآن، وبعد مرور كل تلك السنوات، تتلقى اتصالًا من (فاتن) ، وهو أمر لم تتوقعه مطلقًا، بل لم تكن تتوقع هذا الود منها؛ فعلى الرغم من أنها لا تعرف بالتحديد ماذا فعل أهلها بوالدة (فاتن)، إلا أنها تشعر أنها تعرضت لإهانة شديدة؛ فلا تجثو المرأة على ركبتيها بهذا الشكل المهين إلا إذا عانت من الأذى والتنكيل..
خطر بذهنها هاجس مرعب لكنها سرعان ما طردته وكأنها تخشى من تحققه..
هل حقا تريد (فاتن) وبعد كل هذه السنوات، أن تجعلها تسدد فاتورة ما فعله أهلها بأمها..
وبينما هي تسبح في خاطرها، إذ بضوء شديد يصطدم بمرآة سيارتها الجانبية، تليه (سارينة)سيارة الشرطة التي تنطلق خلفها بسرعة رهيبة..
وبعد ثوانٍ توقفت أمامها على مسافة كافية حتى تجبرها على التوقف..
نزل الضابط، ومعه اثنان من الجنود، وطلبوا منها النزول من سيارتها لتفتيشها،ظلت مبهوتة للحظات ،ثم ما لبثت أن طلبت منهم معرفة السبب..
فاجأها الضابط بالرد:
- لدينا بلاغ من مجهول يفيد بأنك تتاجرين في المخدرات..
لم يترك لها فرصة حتى لتبدي دهشتها، فبدؤوا بالتفتيش، فوجدوا داخل حقيبة يدها كمية كبيرة من مخدر الكوكايين،أُسْقِط في يديها ،ووقفت مذهولة لا تدري ماذا تقول أو تفعل؟
لكنها -وبمجرد أن زالت عنها الدهشة- حاولت بكل الطرق أن تدافع عن نفسها..
لكن ذلك قطعا لم يُجدِ نفعا مع حالة التلبس الواضحة، فتم القبض عليها، وانهارت تمامًا ،وفقدت وعيها على إثر ذلك.
أُعْجِب (شاهر) ب(فاتن)..
سحره جمالها،وسلبت شخصيتها الطاغية لُبَّه..
قابلها لأول مرة في سهرة بأحد الملاهي الليلية، ظل يطاردها بوسامته ومهارته،حاول اصطيادها كعادته مع الفتيات للتغرير بهن، ثم استغلال جسدهن للتربُّح من ورائه..
(شاهر)، باختصار، هو أكبر قواد في المنطقة، لكن أكبر خطأ وقع فيه مع (فاتن) أنه تعامل معها على أنها مجرد فتاة جميلة صالحة للاصطياد، لم يكن يدري أنها هي ذاتها الشبكة والصياد، ولم يكن يدرك أنها لا تصلح مطلقا أن تلعب دور السمكة المغلوبة على أمرها، ولعل ما خدعه هي أنها تمتلك ملامح ودودة بريئة وتقاسيم وجهها ملائكية بامتياز،وهذا بالقطع على عكس حقيقتها الرهيبة الرعيبة..
ولأنها تمتلك تفاصيل جسدية مثيرة ومميزة، فقد شجعت (شاهر) على التقرب منها وخطب ودها..
في البداية تجاهلته تمامًا ولزمن ؛فقد كانت ما زالت في بداية طريق الصعود إلى الهاوية، لقد صبت اهتمامها كله في تلك المرحلة من حياتها على أصحاب المحافظ المنتفخة، وذوي الأرصدة البنكية المتخمة..
لذا لم يكن يهمها شكل فريستها ولا ما يمتلكه من سنوات العمر، فقط أن يكون لديه القدرة على وضع قدميها على سلم المجد، ويرتقي بها إلى مصاف الطبقة العليا الغنية المستغنية..
لكنه لم ييأس ولم يقطع حبال الأمل؛ دخل إلى حياتها من مداخل متعددة..
ليلة وراء أخرى، كان يراها تدخل الملهى مع رجال مختلفين، لا يمكن المقارنة حينها بينه وبين أي رجل من هؤلاء..
لا تنكر أنه قد شدها تصميمه وإصراره، ولا تنكر أيضا أنها أُعْجِبَت به؛ لقد لمسها ذكاؤه حيث خاطب مشاعرها قبل جسدها..
صدَّقت نفسها، أو بالأحرى أرادت أن تكذب على نفسها، أن تعيش ولو لفترة حياة العشاق، أن ترتدي حلة العذارى اللاتي فارقتهن من زمن، أن ترى حُمْرة الخجل في مرآتها ولو لمرة..
كانت على يقين أنه لا يختلف عن أي رجل مُغْرِض قابلته، بل ربما أكثر حقارة، لكنه في الوقت ذاته يمتلك مواصفات فارس الأحلام في دنيا الأوهام..
لذا وجدت رغبة في قرارها أن تعيش تمثيلية لذيذة تكون فيها (وَنْ وُومان شُو…)..
تكون فيها المؤلف والممثل والمخرج والمنتج، نعم، المنتج؛ فلا مانع من التضحية ببعض المال لخوض التجربة، ولا خوف من ذلك ما دام الزمام بيديها، وعجلة القيادة معها، والبوصلة بين أصابعها..
جلس (شاهر) كعادته على البار،دخلت (فاتن) في أبهى صورة، ولأول مرة تجلس في مواجهته مباشرة..
طلبت كأسًا ووضعت فيه بعض مكعبات الثلج، وغمزت له بطرف عينها، لم يصدق نفسه، فأشار بسبابته إلى صدره كأنه يقول لها:
- (هذه الغمزة لي؟!)
أومأت إليه بالإيجاب، وبدلال بالغ استدعته إلى جانبها بإشارة من سبابتها، لم يلبث إلا وكان في مواجهتها تمامًا..
لم يضع وقتا كثيرا فباغتها وهو ينظر إلى عينيها بمزيج من الإصرار والحزم والرغبة:
- تتزوجيني؟
ردت بدون تردد، وكأنها تتوقع الطلب:
- موافقة، لكن العصمة تكون في إيدي..
وبدون أدنى تردد رد عليها فورًا:
- أنا كلي تحت أمرك، موافق طبعا..
وبدأ الاثنان شهر العسل..
قضيا الأسبوعين الأولين في سعادة ونشوة، شعرت فيهما (فاتن) ولأول مرة في حياتها بأنها في حضن رجل لا تأنف منه ولا تنفر..
رجل لا تذهب إلى الحمام لتتقيأ بعد علاقتها معه..
ربما شعرت بذلك مع (شاهر) لأنه أصغر منها بعامين، هو شاب تحلم به كل الفتيات، يحمل كل مواصفات فتى الأحلام :
كجمال الشكل، والفحولة،ولكن أكبر داعي هو أنه في هذا التوقيت هو الذي يحتاجها لا هي..
كانت لأول مرة تنفق المال وهي سعيدة، لحظات الاحتواء التي تعيشها حاليًا مع (شاهر) أنستها نفسها، جعلتها تطير إلى السماء ورجلاها على الأرض، تحلق مع الطيور ويداها بجانبها..
كانت كمن أغلق عقله، أو أعطاه إجازة مؤقتة، رفضت تمامًا التفكير في أي شيء أو عمل حساب لأي شيء، فقط تريد أن تعيش تلك الحالة اللذيذة الفريدة، للدرجة التي معها تمنَّت الموت لتكون تلك الأوقات هي آخر ماعاشته في دنيا العذاب والفُجْر والوحل..


