أسطورة جيش قمبيز …بقلم سيد جعيتم

في عام 1972، كنت في طريقي إلى واحة الخارجة في الوادي الجديد. أعلن السائق أننا اقتربنا من الوصول، ولكن يتعين علينا اتخاذ طريق فرعي غير ممهد، حيث غطت الرمال (الغر أوالعجاج أو السموم) الطريق الرئيسي نتيجة لعاصفة قوية سادت خلال اليومين السابقين.
أشار السائق إلى الطريق المدفون تحت طبقة كثيفة من الرمال، التي يبلغ ارتفاعها نحو أربعة أمتار، تذكرت عندها جيش قمبيز الفارسي، الذي كان يتألف من خمسين ألف مقاتل مزودين بالعتاد والتسليح، والذين ابتلعتهم الصحراء بعد أن غمرتهم العواصف الرملية.
في زمننا الحالي، أعدت التفكير في جيش قمبيز، وتساءلت عن مدى صحة هذه الحادثة التاريخية.
يقع بحر الرمال العظيم في مصر، والذي يعتقد أن الجيش الفارسي قد اختفى فيه، بين الجلف الكبير وواحة سيوة في الصحراء الغربية، تقع المنطقة بمحاذاة الحدود المصرية الليبية، حيث تتميز بكثبان رملية ناعمة تُعرف بالبحار الرملية، والتي تمتد على عرض يبلغ 200 كم، وتتكون هذه المنطقة من طبقات من الرمال المتحركة، وقد شكلت عبر العصور مانعاً طبيعياً أمام أي تحركات أو هجمات عسكرية.
من الضروري الإشارة إلى أن سمك طبقة الرمال في المنطقة لا يتجاوز 30 سم، حيث تقع أسفلها طبقة الحجر الأبيض النوبي، وهذه النقطة تعتبر مهمة في سياق بحثنا عن الجيش المفقود، إذ يتطلب هذا الأمر وجود طبقة سميكة من الرمال لتوفير التغطية اللازمة. بالإضافة إلى ذلك، يوجد تحت الحجر الأبيض النوبي خزان كبير من المياه الجوفية يمتد من تشاد وليبيا إلى مصر، ويغطي مساحة قدرها 3 ملايين و485 ألف فدانًا، يعتبر هذا الخزان المصدر الذي تُستخرج منه مياه النهر الليبي العظيم، حيث يمكن باستغلاله تغيير معالم المنطقة وتحويلها إلى منطقة زراعية مثمرة، أما الكثبان الرملية، فهي تنمو وتتغير وتتحرك، وعندما تواجه عقبات، يمكن أن تتجمع حولها وتغمرها. ومن حركة هذه الكثبان تنبعث أصوات موسيقية تعبر عن ديناميكيتها،
قال الرحالة الإيطالي ماركو بولو في القرن الثالث عشر الميلادي عن هذه الظاهرة أن هناك رمالًا تغني.
يمكن للعواصف الرملية أن تبتلع المدن وتطمس معالمها، حيث توجد بعض المدن العربية القديمة التي غمرتها الرمال، مثل مدينة جوابه، عاصمة الأحساء، ومدينة شنقطى في موريتانيا.
لقد قامت الرمال بدفن عدد كبير من العيون المائية، مثل عيني (كوكب) و(أم سعيد) في المملكة العربية السعودية. وفي 8 أبريل 2021، أعلنت وزارة الآثار والسياحة المصرية عن اكتشاف مدينة كاملة تحت رمال الصحراء الغربية، بالقرب من مدينة الأقصر، تُعرف باسم صعود آتون. وقد تم تصنيف هذا الاكتشاف كأحد أهم الاكتشافات الأثرية منذ العثور على مقبرة توت عنخ آمون.
بفضل التقدم العلمي والمساهمات التي تقدمها الأقمار الصناعية، تم اكتشاف عددًا كبير ًا من الحفريات في أعماق رمال الصحراء. ومن أبرز تلك الاكتشافات وادي الحيتان، الواقع في الصحراء المصرية بالقرب من محافظة الفيوم.
نعود إلى الرواية التاريخية أو إلى اللغز الأسطوري الكبير عن الجيش الفارسي المكون من خمسين ألف مقاتل الذي اختفى تمامًا في عاصفة رملية عاتية في صحراء مصر الغربية في عام 524 قبل الميلاد. ولما كان التاريخ المكتوب هو شاهد على حياة الأمم وحضارتها،
نستمد من الماضي دروسًا قيمة، لكن تلك الدروس تصل إلينا وقد شابتها بعض المغالطات. قد يكون ذلك نتيجة لمرور الزمن الطويل الذي يمتد في أعماق التاريخ، أو قد تكون تلك المغالطات ناتجة عن تعمد التحريف، أو ربما تم تعديلها لتناسب مصالح وأجندات الأقوياء المنتصرين. وأحيانًا، تتلاشى الحقيقة عندما يسجلها المنهزمون كوسيلة لتبرير هزيمتهم.
تجعل هذه العوامل إدراكنا لحقيقة ما جرى أمراً مثيراً للشك والقلق. ومن هنا، تثير رواية ابتلاع الصحراء المصرية لخمسين ألف مقاتل، الذين لم يُعثر على أي أثر لهم حتى اليوم، اهتمامي بشكل خاص. يُعتبر هيرودوت، الرحالة والمؤرخ اليوناني، هو المصدر الرئيسي الذي أشار إلى هذه القصة، حيث دونها بعد مرور خمسة وسبعين عاماً على وقوع الأحداث، مشيراً إلى أنه قد سمعها من المصريين.
تتعدد الأسباب التي تجعلنا نواجه صعوبة في التحقق من حقيقة ما حدث، مما يدفعنا إلى التأمل في الرواية التي تتحدث عن ابتلاع الصحراء المصرية لخمسين ألف مقاتل، حيث لم يُعثر على أي أثر لهم حتى اليوم. ويعتبر الرحالة والمؤرخ اليوناني هيرودوت هو المصدر الرئيسي الذي اشار لهذه القصة، وقد أوردها بعد بعد ما قيل إنها حدثت قبل خمسة وسبعين عامًا، .
تروي الحكاية أن الملك قمبيز الثاني، ابن كورش الكبير من الأسرة الأخمينية، أرسل جيشاً ضخماً إلى واحة سيوة الواقعة في الصحراء الغربية المصرية، بهدف الانتقام من الإله آمون رع وتدمير معبده، وفي أثناء ذلك، هبت رياح قوية قادمة من الجنوب، حاملةً معها كميات هائلة من الرمال، مما أدى إلى طمر الجيش بالكامل وإخفائه عن الأنظار.
يمكننا أن نقارن بين قمبيز الذي أرسل جيشه لتدمير معبد آمون، مما أدى إلى انتقام آمون منه ومن جيشه، وبين الإسكندر الأكبر (المقدوني) الذي قام برحلة إلى واحة سيوة، حاملًا القرابين، ملتمسًا البركة من آمون وكهنته في معبده المعروف بنبوءاته التي تتحقق. فقد مُنح الإسكندر لقب الفرعون بشكل شرعي، وسط أجواء قدس الأقداس في المعبد، تنبأ كبير الكهنة للإسكندر بناءً على تعليمات الإله آمون، لكن لم يتعرف أحد على فحوى تلك النبوءة، غادر الإسكندر المعبد بعد أن أقسم على عدم الإفصاح عن هذا السر لأحد، حتى يعود إلى اليونان ويقابل والدته الملكة أوليمبياس ليطلعها على تفاصيل النبوءة. وبتوجيه من آمون رع، عاد جيش الإسكندر سالماً.
يثيرني الشك في رواية هيرودوت حول جيش قمبيز، نظرًا للتطورات العلمية والتقنيات الحديثة المتاحة في مجال البحث عن الخبايا المدفونة في باطن الأرض، بما في ذلك استخدام الاستشعار عن بعد عبر الأقمار الصناعية.
وتقيس الأجهزة انعكاسات الأشعة الكهرومغناطيسية المرتدة من المواد المدفونة، كما توجد أجهزة يدوية صغيرة مستخدمة في اكتشاف المعادن المدفونة، ويستخدمها الباحثون عن الذهب. تشمل هذه الأجهزة تقنيات المسح الضوئي، بالإضافة إلى أجهزة استشعارية وتصويرية، ولم يتمكن الباحثون من العثور على أي أدلة قاطعة تثبت وقوع هذه الواقعة، التي حمل كل جندي فيها أسلحة مصنوعة من المعدن.
لذلك، أرى أن الروايات التي تشير إلى أن الجيش الفارسي لم يُهزم بفعل عاصفة رملية، أو كانت مهمة الجيش معقدة وثقيلة، حيث واجه العديد من التحديات الخطيرة أثناء مسيرته، مما أدى إلى عودته إلى النقطة التي انطلق منها. وهناك افتراضات تشير إلى أن المصريين أعادوا تنظيم جيشهم وتمكنوا من هزيمة الجيش الفارسي. وبالإضافة إلى ذلك، يبرز رأي يعتقد أن داريوس، خليفة قمبيز (دارا الأول)، قام بترويج رواية العاصفة الرملية للتغطية على الهزيمة التي لحقت بجيشهم.
فيما يخص احتمال قيام المصريين بإعادة تنظيم جيشهم والانتصار على الجيش الفارسي، فقد أعلن عالم المصريات الهولندي أولاف كابر عن اكتشاف أثري جديد في منطقة الواحات الداخلة في مصر، حيث عُثر على نقوشًا منسوبة إلى الملك بيتوباستيس الثالث على بعض الكتل الحجرية من معبد تحوت المدمر في أمهيدا، تحمل نقوش منسوبة إلى بيتوباستيس الثالث تشير إلى انتصاره على الجيش الفارسي في عام 524 قبل الميلاد، حيث قام بتحرير جزء من مصر من سيطرة الفرس. ويُحتمل أن تكون الواحات الداخلة قد شكلت قاعدة لقواته. وقد تُوّج فرعونًا لمصر، قمت بالبحث عن هذه الشخصية، واكتشفت أنها تُعد شخصية غامضة في التاريخ المصري، واسمها هو سي حور إيب رع بادي باستيت (بيتوباستيس الثالث)، وقد تم التأكد من وجوده من خلال النقوش الموجودة على اثنين من الأختام يظهر اسمه مكتوبًا بأسلوب ملكي داخل خرطوش، على دعامة مغطاة بأوراق الذهب، تُعرض الآن في متحف اللوفر، كما توجد على لوح خشبي في بولونيا، بالإضافة إلى وثيقة تُؤرخ للسنة الأولى من حكمه عام 522 قبل الميلاد. ومن الجدير بالذكر أن بيتوباستيس قد هُزم في نهاية المطاف على يد داريوس، خليفة قمبيز.
نظرًا لعدم قناعتي برواية المؤرخ اليوناني هيرودوت، أود أن أستعرض ما يُقال تاريخيًا بشأن غزو قمبيز الفارسي لمصر.
بعد أن أصبحت مصر مركزًا للتمدن وعلمًا وحضارةً تُمارس تأثيرًا واسع النطاق على العديد من البلدان، فقد انغمس حكامها في حياة الترف، واستعانوا بالمرتزقة من الإغريق ومختلف الجنسيات الأخرى في جيشهم، وشهدت هذه الفترة حدوث خلافات وانقسامات أدت إلى ضعف الروح القومية وتراجع قوة الدولة، وانتهت بذلك الأسرة الحاكمة السادسة والعشرون بعد هزيمة الجيش المصري بقيادة الفرعون بسامتيك الثالث أمام القوات الفارسية بقيادة قمبيز الثاني في معركة الفرما، التي وقعت في دلتا النيل الشرقية عام 525 قبل الميلاد. وبهذه الهزيمة، استطاع قمبيز تحقيق حلمه بالتتويج كفرعون لمصر.
بدأ الحكم الفارسي في مصر بتشكيل الأسرة الحاكمة السابعة والعشرين، التي عُرفت أيضًا باسم الساترابية المصرية الأولى. ويشير مصطلح الساترابية إلى المقاطعات التي كانت تحت حكم الفرس الأخمينين، والتي شملت مصر وقبرص وفينيقيا.
أصدر قمبيز مرسومًا يقضي بتقليص الموارد المالية المخصصة للمعابد المصرية التقليدية، خاصة معابد الإله آمون رع، وقد أدى هذا الإجراء إلى استياء كهنة آمون الذين أعلنوا أن الإله لا يعترف بقمبيز كفرعون على مصر وأن حكمه غير مشروع. هذا التصريح أثار غضب قمبيز، فتوجه بجيشه لهدم معبد آمون رع، تعاون الإله آمون مع الإله شو، إله الرياح، لخلق عاصفة عاتية حملت معها غبار الصحراء، مما أدى إلى تغطية جيشه قبل الوصول إلى معبد وحي آمون في واحة سيوة.
ولقد قمت بالتحقيق في المصادر التاريخية المصرية والفارسية، إلا أنني لم أجد أي إشارات إلى اختفاء جيش قمبيز. يبدو أن هذه القصة قد بدأ في تداولها وحظيت ببعض الأهمية في القرن الماضي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى