أزقة العقل ….نص بقلم منال عبدالمنعم

“لأ يا أرسطو .. “

كل فكرة عظيمة تبدأ من شرخ صغير.
هذه الكلمات ليست تأملًا في الفلسفة، بل غوصٌ في نقطة انكسارها.
حين تتهاوى مسلّمات العقل أمام ألمٍ لا يبرّره المنطق،
وحين لا تنفع “الدهشة” تفسيرًا،
يبدأ سؤال أعمق:
هل كان أرسطو على صواب؟

هنا أخط كلماتى كـ مناجاة فكرية .. لا للعقل المتعالي، بل للإنسان المجروح.

من رحم الألم، يولد وعي جديد ..
فهل نُصغي؟

نأتي إلى الحياة محمّلين بوهم الطمأنينة
نأتي إلى الحياة محمّلين بتوقّعات ضمنية ..
أن يكون العالم رحيمًا،
أن نجد الأمان في أحضان الواقع،
أن تستمر الطمأنينة الأولى التي عرفناها في رحمٍ بلا أسئلة.
لكن ما تلبث هذه الصورة أن تتصدّع.
يتسلّل الألم مبكرًا، في هيئة خذلانٍ يتكئ على الكتف، أو فقدٍ يسحب الروح من أطرافها،
أو كلمة جارحة تنغرس كالإبرة في نسيج الطمأنينة.
ومع أول شرخ، تبدأ الأسئلة:
لماذا يحدث هذا؟
ما الذي يعنيه كل هذا الألم؟
هل لهذا المعنى وجه آخر غير العذاب؟

هنا، وفي هذه اللحظة تحديدًا، تبدأ الفلسفة.

-عن حكمة قيلت من عمق التجربة الإنسانية والتى اؤمن بها تماما- “أن الألم ليس حدثا، بل إعلان ولادة”
ولذلك فالفلسفة لا تبدأ بالدهشة، كما افترض أرسطو،
بل بالجرح. لأن الدهشة تساؤل عن العالم،
أما الألم فهو تساؤل عن الذات.

حين يتألم الإنسان، يُجبر على إعادة النظر في كل ما افترضه عن الحياة، عن نفسه، عن الآخرين. لكننا نُخطئ حين نظن أن الألم مجرد مشكلة تحتاج إلى تفسير.
في الحقيقة، الألم ليس لغزًا نبحث عن حلّه،
بل تجربة تكشف أكثر مما تفسّر.
هو صمت الوجود حين تنكسر اللغة على عتبة الوجع، فلا يبقى سوى الأنين خامًا، بلا ترجمة.
إنه مرآة نُجبر على النظر فيها، ليس لرؤية العالم، بل لرؤية أنفسنا… بدون أقنعة.

عند اشتداد الألم، تتقشّر القشرة الصلبة التي نحتمي بها يوميًا.
تسقط الأدوار، وتتهاوى الصور التي صنعناها عن أنفسنا. فنكتشف طبقة أكثر صدقًا، أكثر ضعفًا، لكنها أيضًا… أكثر وعيًا.
نحن لا نفهم الألم… إلا حين نعبره
وهنا تحدث المفارقة:
نحن لا نفهم الحياة في لحظتها، بل في انعكاسها بعد الألم. كما قال كيركغارد:

“الحياة لا تُفهم إلا بالنظر إلى الوراء، لكنها تُعاش إلى الأمام.”

فالألم إذًا، لا يُفهم الآن، بل يُعاش الآن، ويُفهم لاحقًا. وفي هذا التأجيل، تنشأ الحكمة.

وما بين النسختين: من الذات الساذجة إلى الذات المبصرة لأن داخل كل إنسان نسختان ..
نسخة لم تُجرح بعد: واثقة، مطمئنة، لكنها زائفة.
ونسخة وُلدت من الجرح: منكسرة، لكنها مبصرة.

الألم لا يُنتج الحقيقة، لكنه يكشف الزيف.
ليس هدفه أن يعذّبنا، بل أن يوقظنا.
أن يُعيدنا إلى نقطة البداية،
لا لنكرّرها… بل لــنـفـهـمـهـا.

وهذه “الولادة الثانية” وكما يسميها كثيرون: ليست جسدية، بل وجودية.
هي انتقال من العيش الآلي إلى وعيٍ حقيقي، متأمّل، ومسؤول.

الوعى وليس الشفاء، فالشفاء لا يُخفي الألم .. بل يعلّمه كيف يتكلم

هل يمكن أن نُشفى؟
الشفاء هنا لا يعني أن الألم يتلاشى،
بل أن نفهم لغته.

أن نترجمه من لعنة إلى درس،
ومن صرخة إلى بصيرة.

أن نتوقّف عن صراخ السؤال “لماذا أنا؟”،
ونستبدله بسؤال آخر:
“ماذا أرى من خلال هذا؟”

الفلسفات الشرقية من البوذية إلى التصوّف
لا تدعونا إلى قمع الألم، بل إلى مشاهدته.
أن نشهده دون أن نحكم. أن ننصت له دون أن نذوب فيه.
وهنا نتحوّل من ضحية إلى شاهد،
ومن كائن موجوع إلى كائن واعٍ.
لنستفيق على أن الجراح ليست لعنات.
إنما هي خرائط من لحم ودم،
تدلّنا على الطرق التي عبرناها،
وعلى الأجزاء التي تمزّقت… ثم أعادت لملمة نفسها. وأن الندوب ليست عيبًا في الجسد،
بل توقيعًا تركه الوجود على أرواحنا،
لنُدرك أننا كنا ضائعين ..
ثم وجدنا أنفسنا، لا في الانتصار، بل في الضعف ذاته.

فـ “لأ يا أرسطو” …
الفلسفة لا تبدأ حين نندهش من العالم،
بل حين يخذلنا.
حين ننزف في صمت، وتصبح الأسئلة آخر ما تبقى من صوت فينا.
من رحم الألم يولد سؤال الوعي،
لا كـ ترف فكري، بل كـ نجاة.
وفي عمق الجرح، لا نُدرك الحقيقة،
بل نُدرك أننا ما زلنا هنا،
وأن هذا وحده يكفي لبداية جديدة.


٢٠ أغسطس ٢٠٢٥

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى