كل ٢٣ يوليو ومصر فى نضال …. مقال بقلم د.أحمد دبيان

ومثلما قال ابن نوح سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء فيرد النبى الكريم :

لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم .

ولكى لا نكون من المغرقين ، وفى زمن يتم يومياً فيه وعلى مدار الساعة عمليات إغتيالات ممنهجة للذاكرة .

لا يسعنا إلا أن نلوذ بالماضى إنقاذا لحاضر متردٍ صنعوه ولا يكفيهم ترديه لننقذ الجسد المسجى لتاريخ يأبون إلا إخماداً لأنفاسه.

نلوذ بالتاريخ علماً ومنهاجاً لا أحاديث مقاه أو مصاطب أو غرف بغايا.

فالمرجفون يدكون أن شهوة الخوض غريزة أساسية تستثير الإنسان وتشبع نهمه الشبقى.

عرفنا الثورة التى يصرون إرجافاً تسميتها إنقلاباً فى وطن محتل تحكمه سفارة محتل له قاعدة لا حدود لعدد مقاتليها أو دباباتها أو طائراتها فى قاعدة القناة ولم تكن تسمح لقوات الجيش الوطنى أو لطائراته بالتحليق إلا دون إذن من القيادة الإنجليزية .

وكأن الجيش الوطنى ليس من مهامه طرد المحتل وأدواته .

بمنطقهم البغى كان سقنن رع بجيشه منقلباً على أبو فيس ملك الرعاة وبمنطقهم الشبقى كذلك كان كاموس وأحمس.

وبمنطق عهرهم كان الضباط الأحرار منقلبين على مليك فاسد حاصره المحتل فى مقر حكمه فرضخ وجاء بحزب سقط جماهيرياً ليحكم مرضاة للمحتل ورضوخاً له.

الثورة تغيير سياسى إجتماعى تقوم به الأمة عن طريق جماهيرها أو أدواتها الدستورية أو القضائية أو العسكرية.

والجيش هو أحد أدوات الأمة وهو فى الحالة المصرية الوحيد الذى إستطاع صنع تغيير إجتماعى ثورى سياسى فى التاريخ الحديث فى تجربتى أحمد باشا عرابى والزعيم جمال عبد الناصر .

قديماً وفى ظل عجز الفرعون إخناتون وهوسه الدينى وحين تعاورت سيوف الضعف والإقتتال الداخلى وسيوف الغزاة الخارجيين جسد الأمة قام القائد حور محب بإخماد فتنة التطرف الدينى وازاح الفرعون المتخاذل ليبقى الوطن ويحميه من الإنهيار.

هل نقول الآن أن حور محب كان منقلباً على فرعون شرعى أضاع فعلياً الوطن بهويته الدينية الحضارية وكاد أن يضيع مقدراته؟!

كانت فتنة إخناتون أكبر تهديد داخلى تاريخى يضارع فى تأثيره صعود كل تطرفات الحراكات الدينية المشبوهه الحديثة ، ساهم فى إنحسار النفوذ المصرى وتمدده الإمبراطوري ليتعاور جسد الأمة سيف الغزاة.

ثورة يوليو وهى ثورة بالتعريف العلمى جاءت جراحة معتدلة لتعيد إتصال مصر المصريين المستقلة والتى رسفت لألفى عام تحت حكم الأجنبى ولترسخ روح المصرية المستقلة المنتمية لمحيطها الجغرافى ، المدركة لمحاور أمنها المائى والقومى.

لم تكن الملكية فى مصر إلا صنيعة احتلال وحكم إصطنعه المحتل ليستكمل هيمنته واستنزافه لموارد البلد الذى إستنزفه طوال سبعة عقود.

لن نتحدث عن حرب التحرير والجلاء الذى فشلت كل حكومات ما قبل الثورة فى تحقيقه وهى عين الحكومات التى كانت مطية للقصر والمحتل افرازاً لحياة حزبية فاسدة لم تصعد من فرز جماهيرى ولم تعبر عنها وإنما جاءت دمى للقصر وللسفارة الحاكمة فعلياً فى مصر الملكية .

تم اختراق الحياة الحزبية فى مصر من كل القوى اللاعبة فى الحياة السياسية لتنتهى إلى تمثيل مخزٍ لمصالح الرأسمالية الطفيلية .

ربما لا يعلم الكثيرون أن الوفد الذى جاء تعبيراً عن مطامح المصريين فى الإستقلال انتهى بأن يصبح تمثيلاً لمصالح الرأسمالية المستغلة اللهم إلا محاولات خجوله لاستيعاب العمال وحراكاتهم بعد قرار سعد زغلول بحل وحظر الحزب الشيوعى .

على الطرف الآخر عجزت كل القوى السياسية من إخوان أو شيوعيين فى وضع نهج أو القيام بخطوات على الأرض تستطيع اخراج المحتل أو تغيير النظام السياسى الإجتماعى بل على العكس تم استخدام الإخوان من قبل القصر تارة والإنجليز تارة أخرى لصنع حالة التجاذب التى تضمن إبقاء الوضع كما هو عليه .

و بمنطق الأمر الواقع لم توجد فى هذا الوقت قوة تستطيع صنع هذا التغيير إلا القوات المسلحة وهكذا خرجت طلائعها ممثلة فى ضباط وطنيين ليصنعوا تغييراً طال وليحققوا حلم الأمة فى التحرير وحامها الأكبر فى أن تنال الجماهير الكادحة من مجتمع التسع وتسعين ونصف فى المائة رئة التنفس فى حراك إجتماعى يمكن الفقير المهمش من الصعود الإجتماعى.

تحقق التحرير وتأكد بعد اندحار العدوان الثلاثى وتحقق الحراك الإجتماعى بقرارات التمصير والتأميم التى ضخت رأس المال الوطنى بإشراف الدولة داخل الدولة ولمصالحها بدلاً من أن تتم حلب ضروعها كما قال الإقتصادى الكبير عبد الحليل العمرى خارج حدودها.

كانت الدوائر الثلاث التى فعلها جمال عبد الناصر تعبيراً فعليا عن محاور الأمن القومى لمصر الكبرى .

فمن دائرة عربية كانت وبالأساس أحد تكتيكات التحرير فى ظل استعمار هيمن على المنطقة قرابة مائتى عام ولم يكن من سبيل لتأمين الاستقلال المصرى إلا بتأمين استقلال المحيط الجغرافى الإقليمى.

ومن دائرة دينية مسيحية إسلامية وسطية تنثر نفوذ القوة الناعمة دون تطرف إلى دائرة إفريقية تؤمن العمق الإستراتيجى وتحفظ حقوق مصر المائية ومحيطها الجغرافى فكان دعم حركات التحرر فى الجزائر و إفريقيا تأميناً للإستقلال الناشئ الذى لم تتوانى قوى الإستعمار على محاربته لتقويضه أو لترويضه.

من لا يقرأ ثورة يوليو فى سياقها التاريخى الجغرافى السياسى وكونها أول نجاح فعلى لمصر مصريين تخرج من عباءة التبعية والمحتل وأن القوى المناهضة لهذا الأنجاز التاريخى حاربت و لا زالت تحارب منجزاتها، يسقط ببساطة فى فخ الحرب النفسية وغسل العقل الجمعى الذى تم اطلاقه منذ السبعينات لإعادة مصر المروضة لنهج الهيمنة والتبعية.

كل ٢٣ يوليو ومصر فى نضال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى