“التَّواصُل” …مقال بقلم/ مدحت صلاح


“التَّواصُل” …مقال بقلم/ مدحت صلاح

نعم التواصل، هذا هو مَوضوعنا: التَّواصُل، وخاصَّةً التَّواصُل الإلكترونيّ بينَ بعضِنا البعض.. ما لك وما عليك، مهلًا.. لماذا تُفكر الآن في التوقفِ عَن القراءة!؟ هلْ الموضوع لمْ يُعجبَك، أمْ أنه مُمِل وكثر الحديث عَنه؟ لا يهم، لا إجبار؛ فقط تحملني قليلًا مِن كثرة ما تتحمل، لن يضرك شيء، أو كان عليّ مُنذ البداية أن أُخبرك انه يُمكنك تجاوز هذة المُقدمة المُملة حقًا، أتفق معك.
- بادئ ذي بدء، عِندما أزورك…
عِندما أقتطعُ من وقتي لحظاتٍ لأزورك في منزلك، لا هدفَ لي سوى حقِّ الصَّداقة أو الزمالة وحُسنِ التَّواصُل؛ أُحيِّيك وأقرأ عليك السَّلام،
فعلى الأقلّ، رُدَّ السَّلام، ولا تكتفِ بإيماءةٍ مِن رأسك تُشعرني أنَّني بائعٌ مُتجوِّل؛ فعندها قد أكفُّ عن الزِّيارة. فلا تتعجب بعدها مِن قلةِ أو عدم التواصل.
هذا هو المعنى العام، أمَّا عَن المغزى، فهو:
عِندما أقتطعُ مِن وقتي لأكتب لك، فلا تكتفِ بـ”لايك”، بل بادر بتحيَّةٍ أحسن مِنها، فهذا هو الاحترام.
كما لا تغتر بكثرةِ المُنافقين أو بمعنى أكثر تهذيبًا المُجاملون. - لماذا تكتب؟ ولماذا تنشر؟
السُّؤال الآن: لماذا تكتب؟ لماذا تنشر؟
الإجابة – بالطَّبع –: ليقرأ غيرك ويتفاعل مع ما تنشر.
إذًا، لماذا لا تتفاعل أنت أيضًا مع غيرك؟!
وإن كان هذا هو المغزى السَّطحيّ، فالأعمق هو:
تبادُل الفكر، والرأي، ومَنح الخِبرات، والنِّقاش، وحُسن تقبل النقد البناء والرأي الآخر..
وأيضًا من حقك ان تكتب {فضفضات} ولكن ليس فضائح عامة او موضوعات خاصة وأسرية وتطلب التفاعل او بالإحرى النفاق والموافقة، وخاصة لو كان الحساب باسم سيدة. وكذلك من حقي ايضًا عدم التعقيب فيما لا يخصني.. كذلك أنت لا تكتب وثائق “ويكيليكس” حتى اتجسس عليك كما تظن، الموضوع ينحصر في الإهتمامات المُشتركة.
أنت صادق، مُهذب، مُثقف .. راقي في تعاملاتك!!
هكذا يرى كُل مِنا نفسه، وقد تكون هكذا بالفعل، ولكن قد يكون هذا مِنْ مَنظور رؤيتك الشخصية أنت فقط! فمنظور الظل لا يعبر غالبًا عَن الحقيقة. ولأن رؤية الأشياء تعتمد على المنظور؛ وبإختلاف زوايا الرؤية يختلف الشكل. فمن الخطأ ان تقْصر صحة الأشياء على إدراك فهمك أنت وحدك. فقد يكون كل ما ظننته خطأ في فهم الآخرين هو عين الصواب. وكل ما فهمته أنت بإدراكك صحيحًا هو محض إلتباس.!
إجتهد لتثبِتُ أنك على حق، خيرًا لك من أن تجتهد لتثبِتُ أن غيرك على باطل.
عفوًا، أنت – مهما كتبت – لستَ “المتنبي”، ولا “العقَّاد”، ولست “نجيب محفوظ”، ولا “هيكل” أو “علي أمين” – مع احترامي وتقديري لكلّ الكُتّاب والمثقّفين العرب – حتى لا يتصيَّد أحدٌ الأخطاء أو يُفسِّرها على محملٍ خاطئ.
قد تظنُّ نفسك مُثقَّفًا، وهذا ليس عيبًا، لكن: لا ثقافة مُطلقة.
ففي مكانٍ آخر، ومع أناسٍ آخرين، قد تكون “لا شيء”، فلا تغترّ.
انزل من بُرجك العاجيّ.
كلُّنا جُهَلاء، ولكن في موضوعاتٍ مختلفة… نتواصل لنتعلَّم من بعضنا البعض.
- لحظة صدق
قِفْ مع نفسك لحظةَ صدق؛
فبالتَّأكيد ليس كلُّ مَن حولنا دائمًا هُم المُقصِّرون الجُهَلاء، المتلصصون وحدهم، ونحن العباقرة المُثقَّفون، وليسوا كلّهم شياطين، ونحن الملائكة المعصومون…
أنظر إلي نفسك أولًا، حقًا قد تكون على صواب في امَرٍ ما، ولكنك حتمًا لست كذلك في أمَرٍ آخر بالتأكيد ليس دائمًا فالملائكة لا تَسّكُن الأرض. نحن بشر نخطئ ونصيب، أكيد لنا أخطاؤنا أيضًا!
فلا تلق باللوم دائمًا على الآخرين وواجه نفسك في لحظة صدق.
وبعيدًا عن استنتاج “سارتر” المُتشائم هو ان علاقاتنا الرئيسية مع الآخرين مُرتكزة على الصراع وبإن “الجحيم هو الآخرون” وإلا لاداع تمامًا لأي نوع من التواصل. - التَّواصُل أشبه بلُعبةِ التنس
التَّواصُل – فكريًّا أو اجتماعيًّا – هو كمُبَاراةِ تِنس:
أخذٌ وعطاء.
يجب أن تُلقي بالكرةِ لِتَرتدَّ إليك مرَّةً أخرى، ويُحاول كلّ طرفٍ الحفاظ عليها، فلا تقع خارجًا.
- لست ظِلًّا لأحد!
ولكن، أن نمدَّ جُسور التَّواصُل مع الآخر، لا يعني أن نكون مُلتصقينَ به، مُتَعقّبينَ له كظلِّه، لا نترك له ملاذًا أو مَهربًا منَّا!
بل أن نؤمن بضرورةِ المسافات بيننا، أن نحترم حاجة الآخر لمساحته الخاصَّة، حيثُ يمدُّ فيها أجنحتَه بحُرِّيَّةٍ مُحلِّقًا.
أن نعمل على مَنحِ الآخر الحيِّز الكافي ليُحقِّق فيه ذاته، ويُعبِّر بحرِّيَّة عن أفكاره، لا نَحجر عليها،
حتَّى وإنِ اختلفنا معه، ما دام لا يُحاول فرضَها علينا.
وأخيرًا…
لن أدَّعي المثاليَّة لأقول: “أحبِبْ لأخيكَ ما تُحبُّ لنفسك”، بل أقول ببساطة:
“عامِلِ النَّاس بما تُحبُّ أن تُعامَل.”
شكرًا لحُسن قراءتكم و تواصلكم، وحُسن وعيكم وايضًا تفهمكم.. تحياتي. مدحت صلاح
