الثأر والليل … قصة قصيرة بقلم مهاب حسين/مصر.


الثأر والليل … قصة قصيرة بقلم مهاب حسين/مصر.

كنت أعلم أني أواجه مصيري بكل ضراوته وعنفه، وأعلم أيضا أني مدفوع إلى تلك المواجهة دفعا لاأستطيع منه فكاكا، لكنه قدري أنا وحدي !.
كانت الساعة الثانية ظهرا والميدان مكتظ والموعد تلقيته دون أي تفسير.
“عند توهج الزحام وذروة الصخب “. وبينما أتجول على الطوار اقترب مني شخص يرتدي زيا فرعونيا.. لأعلم من أين جاء ؟..
كأن الأرض انشقت عنه للتو واللحظة، وبقدر ما أخذتني غرابة ملبسه، شدني إليه بوجهه الهادئ:
-الموعد قد تأجل.
-لماذا؟.
-لن يستطيع الحضور وعليك ملاقاته في سكنه الخاص.
-لكن هذا ليس بعدل.
لاتنس العدل مبتغانا الأساسي.
وهو يولي ظهره ناحيتي مستقبلا هدير المارة والعربات .
• فلتكن متأهبا .
“أخبرني أبي أني أتدرج من أسرة فاطمية وأن أحد أجدادي كان واليا في الباب العالي”.
تذكرت هذا وأنا أدق بقدمي ذلك البناء العربي المظهر المعبق برائحة مسك عتيق، وبمجرد أن دنوت من نهاية الردهة التي انفسحت لحديقة ضخمة.. تدانت إلى سمعي أنغام عزف ناي قديم فجذبني حنين غامض وتوق للأيام الغارقة في الظلام، ونشوة أفقت منها على رجل يرتدي جبة وقفطانا وعمامة بيضاء يخبرني بأن الموعد قد تغير :
-أظن أن المزاح قد فاق الحد.
-لابد من التأني إن أردت الخلاص.
-لن أتركه.
-لاتخف هو أيضا لن يتركك.
كيف أخاف وأنا أول من بحثت عنه- في نسل العائلة- قبل أن يبدأ هو في البحث عني !!.
أوصافه في مخيلتي كما تلقيتها عن أبي الذي تلقاها بدوره عن جده.. وإن كان لم يره أحد منهما..
ملامح حادة، جبهة عريضة، أنف مدبب..وشعر داكن السواد.
-“احترس فهو بارع في التنكر وتلك إحدى حيله للايقاع بغريمه”.
أطأ بقدمي باب الفتوح..
يلطم وجهي عبق زمان أبدي يترنح على البوابة القديمة.. أعبرها ومن حولي تتقافز أنسمة فجر جديد أسعى للقائه.
وجدتني عند المكان المقصود كما تلقيت الرسالة، شهقت بعمق وزفرت طاردا كل مخاوفي..
رأيته مقبلا من بعيد يتلحف الظلام، ارتعدت مفاصلي، لم أصدق أني أول من يراه رأى العين من نسل العائلة المنحدر من عصور سحيقة.
وتجلت لي في نفس اللحظة كل عذابات الماضي فبدوت أكثر ثباتا .. بدأت ملامحه تحت ظلال القمر المنعكس خلف البنايات تتضح شيئا فشيئا.
رقبت نافذة تفتح في بيت قديم وطفلا يتبول بجانب حائط مرسوم عليه بالطباشير خروف بلا رأس.. وتقدمت نحوه.
أستقبل وحدي كل الشياطين وتجابهني الخيالات، تنازعني ذكرى أبي ويهزني لقاء الرجل وعبق حكمته وصوفية حديثه..
فالرجل أوصافه مغايرة تماما لوصف أبي،
بل أخبرني بأن أبي هو الذي ظل يتعقبه فلم يجعل أمامه خيارا. ولايمكن أن يكون مثل هذا الرجل قاتلا أو لصا:
• إياك ياولدي أن يخدعك بتقواه وورعه المصطنع، فقدرته على التلون هي ماجعلته يحيا كل هذا العمر.
-“لا أريد أن أصيبك بسوء إلا إذا اخترت أنت”.
يدق الليل بعصاته أرضية الغرفة، فأرى أبي يتيه عاريا في أرض خاوية مترامية خالية من كل أثر..
وأراني أرقبه من بعيد على قمة تل وهو يلهث، ولهاثه كأنه يضخ في قلبي ويسري كالخدر في عروقي. وأراني أتجرد من ثيابي أنا الآخر وأهبط التل، وأظل ألهث معه،
حتى يغمرنا الضباب.
-آنسيت وصية أبيك أيها الجاحد؟.
لابد أن أؤمن بجرم الرجل كي أنال منه، إذا تأكدت فلن أبالي بالعواقب وسأنفذ المطلوب مهما كان.
لكن أبي طالما راوغني كلما استنطقته عن سبب العداء، إنما كان يكتفي بإيداع بذرة الغل في صدري طوال مراحل عمري حتى كبرت الشجرة، وقبل أن تثمر وافاني الرجل بهيبته الوقورة وقطع الشجرة من الجذر، وتركني أتخبط !.
• يا أبي إن كنت ضحية الرجل، فأنا بربك ضحية من؟.
لو أستطيع إنطاق الموتى.
فوق أرض طباشيرية تداهم الجنود أبواب القلعة وتسقط آخر حصون الدولة الأيوبية، وتجر النساء سبايا وتداهم العسس بيوت الآمنين، يسلبون الدفء من المخادع والأمن من النفوس، وتهرع الجمال إلى أعالي التلال وتلقي بنفسها منتحرة، ويغيض الماء من الآبار، ويرتع الليل بلا راد في الطرقات.
وأرى أبي طفلا فوق كتف جدي، يسأله عقب انصرافه من دار الوالي:
• أرى الجمع يتكلمون عمن يبيعون أنفسهم للوالي، فما الخيانة يا أبتاه؟.
يرد جدي وهو يهرول مسرعا :
• الخيانة ياولدي أن يظهر الناس عكس مايبطنون.
وأبصر الرجل يهبط من فوق جواده يقف أمام جدي وأبي متأملا ثم يشهر سيفه.
أخترق أكوام الناس والعربات، أمّثل في المقهى المواجه للقلعة حيث يقضي صديق أبي، أوقاته في لعب النرد :
• أهلا بالحبيب ابن الحبيب.
• فاض بي الكيل فلم أجد غيرك.
• كنت أعلم بأنك ستأتي فلم ينج أحد.
• لا أحد يريد إنبائي بالحقيقة.
تهافت إلى سمعي تقاسيم قانون غير بعيدة، فتجابه روحي أنسام فضفاضة.
وأنا أهم بمغادرة المقهي تعجبت، فرغم مرور الزمن مازال الليل يجيء تماما كما يجيء النهار.
أمضي أنا وطفلي وسط الميدان المزدان بالأضواء والصخب، بين الأضواء المنهمرة من نوافذ البنايات المتحلقة الميدان الواسع.
يطلب مني طفلي الصغير أن أحمله فوق كتفي لأنه تعب، فأحمله وأخترق الميدان في ثبات وإصرار.
يهبط الرجل من عربته الأنيقة الفارهة..يقف أمامي.. يتأملني انا وطفلي و…


