“على حافة القلب هشاشة مؤجلة ..” …. مقال بقلم منال عبدالمنعم

حين نخفي حقيقة التشخيص عن مريضنا، يتكون فى قلب الداعم عالم ثانِ لا يشبه العالم الذي يتحرك فيه الآخرون.
عالم يتشكل من مقامات متراكبة:
مقام المعرفة التي لا تُقال، ومقام الخوف الذي لا يُفصح عنه، ومقام الرحمة التي تلزم صاحبها بالصمت، حتى لو كان الثمن نفسه نوعا من الاحتراق.
فالحقيقة التى تُخفى لا تزول، بل تتحول إلى كائن يلازم الانتباه، يراقب كل كلمة، ويزن كل ابتسامة، ويجعل الداعم يعيش فى يقظة مرهقة، كأنه يمشى فوق أرضِ تتهشم تحت قدميه دون أن تصدر صوتا.

وما أن يقع خبر حقيقة التشخيص عليه لأول مرة حتى تعاد صياغة علاقته بالوجود، فليس الخبر حادثة طارئة، بل شرخ يفتح فى الداخل بابا من العدم، ويفسح لأسئلة لم يصغها من قبل:
ماذا يفعل الإنسان حين يكتشف فجأة أن كل ما بناه فى داخله من ثبات ليس إلا خداعا لطيفا رتبه الزمن؟
ولماذا يشعر بأن الضربة التي هوت على رأسه ليست ضربة على الجسد فحسب، بل على المعنى ذاته؟
فى تلك اللحظة يتداعى التوازن القديم كما يتداعى جدار تسربت إليه الرطوبة منذ زمن، لكن لم ينتبه أحد علاماته.

ومع الأيام، يبدأ الداعم فى اختبار نوع الإرهاق الوجودى، إرهاق لا يتصل بالجسد وحده، بل بالوعى الذى يظل مشدودا بين قطبين:
قطب الحقيقة التى يختبرها وحده، وقطب الطمأنينة التى عليه أن يصطنعها للمريض كى يظل العالم محتملا.
هذه الازدواجية ليست عبئا نفسيا فقط، إنما هى صيغة جديدة للحياة، فيها يُجبر الإنسان على أن يفصل بين وجهه الظاهر ووجهه المخفي.
وفى لحظات الخلوة، وحين يغلق الباب على نفسه، يهبط عليه ذلك الظل الثقيل الذى لا يعرف كنه، لكنه يعرف أثره:
ذلك القرب الذى يشبه يدا باردة تمتد إلى الروح، لا تريد أن تقتل، بل تريد أن تسحب الإنسان إلى منطقة لا معنى فيها، ويقاومه الداعم، لا بصرخات، بل بمحاولات صغيرة ليذكر نفسه بأن الهلاك ليس قدرا محتوما، وأنه ما زال قادرا على الوقوف، ولو وقوفا مهتزا.

ومع ذلك، وفى كل مرة يعود فيها إلى المريض، يعود كأنه يعيد ترتيب شتاته على عجل قبل أن يفتح الباب، فـ الدور الذى يؤديه ليس دورا اجتماعيا، بل عبورا يوميا بين حالتين: حالة يتآكل فيها من الداخل بصمتِ لا شهود له، وحالة يبذل فيها من قلبه ما لا يحتمل أن يقال إنه نقصُهُ. لكن الشروخ التى خلفها الحمل الطويل لا تبقى مختفية، تظهر عليه فى لمحات عابرة، فى كسرة عابرة بالصوت أو نظرة تتجه للفراغ كما لو أنها تحاول العثور على روحها المفقودة.

ومن تراكمات هذه اللحظات جميعا تتشكل فلسفة خاصة بهذا النوع من المعاناة، فلسفة لا تُكتب فى الكتب، لأنها لا تستنبط بالعقل، بل تستخرج من الداخل كما تستخرج المعادن من صخور صماء.
فلسفة تقول إن الألم ليس حكرا على المريض، وإن الداعم ليس ظلا يفترض به أن يبقى واقفا إلى الأبد.
وان الرحلة مهما بدت مشتركة، ترهق كل من مر بها بطريقة لا تتشابه، لكنها تتحاور كطبقات فوق طبقات، كأنها صدى واحد يتردد فى صدور مختلفة.

وبعد كل ما يُحمل فى الصمت، وكل ما يخفى تحت ركام الأيام، يبقى السؤال ملحا، فكأنما يتقدم من أعماق التجربة نفسها يطالب بحقه فى النطق:
إن كان المريض محتاجا إلى سند، أفلا يكون من العدل أن نسأل كيف يمكن للداعم أن يظل واقفا بلا سند؟
بل من يدعم الداعم إذن؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى