توأمان؟! …. قصة قصيرة بقلم محمد كمال سالم


توأمان؟! …. قصة قصيرة بقلم محمد كمال سالم

يوسف ويحيى فتيان في طور شبابهما الأول، طالبان وزميلان في مدرسة وفصل واحد. كل من يراهما يظنهما توأمين؛ شعرهما الأسود الكثيف صُفِّف بعناية، أحدهما يفرقه عن اليمين والآخر عن اليسار. كانت هيئتهما جميلة مبهجة، وكأنهما راشدان من أصحاب الياقات العالية.
أدهشا الأستاذة فاطمة، مدرسة الكيمياء، عند دخولها الفصل للمرة الأولى كمدرسة للمادة، حيث وجدتهما يتصدّران الصف أمام مكتبها مباشرة. فبادرتهما مداعبة: ما هذا؟ أأنتما حقيقيان أم أن بصري يخدعني؟ فنظر الشابان لبعضهما وابتسما، فتبسمت بدورها، وقبضت ما بين حاجبيها الكثيفين في جمال، وانحنت تتكئ على تختة جلوسهما، وسألت: ما اسمك؟
يوسف حسن.
وما اسمك؟
يحيى جمال.
إذن لستما توأمين كما ظننت. ثم اعتدلت واقفة وقالت: ولكنكما جميلان. ونظرت إلى عامة الفصل وأضافت: وفصل جميل وعام جميل، هذا أكيد.
كانت الآنسة فاطمة لا تكبرهما كثيرًا، وأغلب الظن أنها حديثة تخرج ومتفوقة في علمها، ولهذا هي هنا. وكانت تمتلك روحًا وثابة خفيفة الظل جميلة المظهر، بوجه دائري ذي براءة وعينين واسعتين لهما بريق آثر، تداعبهما خصلات شعرها الناعم المرسل فوق جبينها.
أشعلت كل هذه الخصال جذوة المنافسة بين الشابين الصغيرين أكثر من قبل، وأصبحت مادة الكيمياء ميدان تباريهما الأول. وكان هذا مبعث سعادة للأستاذة فاطمة التي كانت تكافئ الأكثر تفاعلًا معها في الإجابة عن أسئلتها بطريقة مبتكرة، حيث كانت توقف من يجيبها وتنظر مليًا في عينيه وكأنها مرآة، وتتصنع أنها تصفف شعرها فيها في تبسم ودلال.
اشتعلت غيرة زملائهما في الفصل وحَنَقهم وفشلهم في اللحاق بهما لتفوقهما، ناهيك عن وسامتهما وأناقتهمها. وكاد العام أن ينتصف، والصديقان يعيشان أحلى أيام عمرهما.
وذات يوم، وعند مغادرتهما المدرسة بعد انتهاء اليوم الدراسي، كانا يسيران مرحين، يداعبان بعضهما ويغنيان في سعادة، وإذا بصوت ارتطام، وصفير مكابح سيارة عنيف، وصراخ صادر من كل مكان. كان الوقع قريبًا جدًا. قام يحيى ليجد يوسف وقد دُفع بعيدًا بقوة وسقط على الأرض بعنف. فزع إليه وجثا على ركبتيه في هلع يتفقد صديقه، وقميصه الأبيض الناصع يرتشف دماءه رويدًا رويدًا.
صرخ فيه: قم يا يوسف، قم.
ولكن يوسف كان قد أغمض عينيه للأبد.
فاكب يحيى بجواره مغشيًا عليه.
لم يفق يحيى إلا بين والديه في بيته، لم يدخرا جهدًا ليعبرا به هذه الصدمة. وغاب طويلًا عن المدرسة، إلى أن جاءت الأستاذة فاطمة تصحب معها وكيل المدرسة وبعضًا من زملائه، حثّوه على ضرورة العودة للدراسة.
وفي الفصل، يتأمل يحيى مقعد يوسف الخالي بجواره ويشرد:
(كانوا يظنون أننا لسنا توأمين، بل كانت روحًا واحدة نقتسمها أنا وأنت، وقربى أقرب لي من ذات دمي).
تباغته الأستاذة فاطمة: أجب يا يحيى عن السؤال.
فأجابها.
قالت: إذًا قُم حتى أكافئك.
يقوم يحيى ممتعضًا. راحت تنظر في عينيه وكأنها مرآة كما كانت من قبل، لكنها بُهتت، وغابت ابتسامتها وقالت: عجبًا يا يحيى، لم تعد عيناك تعكسان صورتي…


