غريبان على ضفاف النيل…قصة قصيرة بقلم نجوى عبد الجواد

……..

يبتسم السائق لابتسامته في صمت. اعتدت دهشتهم؛ أم كلثوم تجاور صورة والدىّ على مكتبي، كتب العقاد، روايات محفوظ، قصص إدريس، تقبع إلى جوار أحدث أبحاثي العلمية. يعاود التبسم حينما يتذكر ضحك طلابه على قوله لهم إن عقله مبرمج على التفكير باللغة العربية، وإن عينيه المتعبتين ترتاحان حين النظر لكلمة كتبت بالعربية.

تغير كبير طرأ على القاهرة، توقعه لكن ليس بهذه الدرجة. هكذا حدثته نفسه وهو ينظر يمنة ويسرة من السيارة التي تقطع الطرق مسرعة. قلبك هناك يا بروف؟! هكذا سأله أسعد عندما رآه يعيش مع صوت عبدالوهاب.؟ لم أقدر عليه يا أسعد، إنه هناك حيث الأرض والأحباب والذكريات وها أنا هنا يا أسعد، سمعت كلامك وخطفت من دنيا الغربة يومين أجتمع فيهما بقلبي ومن يسكنه. يقول هذا وهو ينزل من السيارة وقد أخذه التغير الكبير الذي طرأ على الشارع من شروده، يروح ويجيء، يشم رائحة بيتهم، تلِّح عليه الذكريات هنا لكن البيت العتيق اختفى، لايري في الشارع سوي أبراج شاهقة. هل ضل الطريق؟! هل يتوه عن بيته؟!، كاد يدخل السيارة من جديد حينما لمحه جالسا أمام برج شاهق، صديق الطفولة، البواب الصغير الذى لم تفرّقه أمه عنهم في المعاملة، صديقه إسماعيل لم يغير الشيب ملامحه الطيبة. الحضن الدافئ لم يتغير، والدموع التى تهطل من الشوق هي دموع إسماعيل الحنون، إلى إحدى الشقق المفروشة التى لم يؤجرها محسن يدلف دكتور حسام وإسماعيل، لم يخبره محسن بما أحدث في بيت أبيهم، ماكان يظن أن الأموال التي كان يطلبها من حين لآخر كانت من أجل هدم ذكرياتهم.! فين مكتب والدى ونيش أمي وسرير جدتي وصور العيلة يا إسماعيل؟ فين بيتنا يا إسماعيل فين بيتنا؟

طيب استريح الأول يا دكتور الحاجة موجودة بخير، استريح الأول.

أشوفها الأول، أشوف ذكرياتي يا إسماعيل.

بصمت أشار إسماعيل للدكتور حسام أن يتقدمه، نزلا الدور الأرضي، ظن حسام أنها في إحدى شققه، لكن إسماعيل سلك سلم لأسفل وخلفه حسام، إلى البدروم حيث الأتربة تحتضن الذكريات. شعر إسماعيل بحزن الدكتور فقال له بأن هذا المكان أفضل من بائع الروبابيكيا الذى أحضره ابن أخيه!

اتركني هنا يا إسماعيل ولاتخبر أحد بأني في القاهرة.

لكن يا دكتور.

اسمع الكلام.

حاضر.

وحده أمام النيل، كما بقى الليل وحده أمام الذكريات التى أنقذها إسماعيل من بائع الروبابيكيا. طالما جاءه وقص عليه، واشتكي له وفضفص معه وصحب حبه الوحيد ليعرِّفه عليها، اليوم يراه حزينا مثله، تحيطه المباني الخانقة، اللافتات الكبيرة واللوحات الإعلانية المضاءة، نادرا ما يقرأ كلمة عربية، إلا لوكانت اسم طبيب!، شباب في المائدة المجاورة لغتهم ركيكة يحشرون فيها اللغة الأجنبية حشرا، أين هو، هل مازال هناك حيث كان؟!، يهاتفه إسماعيل، وقت قصير ويأتي مصطحبا أصدقاء الماضي من أبناء الشارع، جلسة خففت عنه الشعور القاتل بالغربة، صباحا صحب إسماعيل إلى قبري والديه حيث لاتلوث وصل هنا ولاشعور بالغربة يتملكه. أخبار قلبك يا بروف؟ سأل أسعد مبتسما وهو يستقبل حسام في المطار.

يصمت حسام طويلا ثم يقول :قلبي جريح يا أسعد قدره الغربة هنا وهناك.

يلفهما الصمت ويغيبان وسط الجموع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى