الشعراء الجدد ورجل الشارع (4) : قصيدة النثر والشرك الأدونيسي الماكر …. مقال بقلم د. آمنة الهجرسي


الشعراء الجدد ورجل الشارع (4) : قصيدة النثر والشرك الأدونيسي الماكر …. مقال بقلم د. آمنة الهجرسي

إذا وقفنا بتعمق عند العبارة التي يقول فيها أنسي الحاج : ” عند كل زيارة شاعر يتغير العالم قليلا أو كثيرا ” سنجد أنها واقعية وصادقة تماما ؛ فالتغير واقع لا محالة لكن نسبة حدوث هذا التغيير غير ثابتة لأن الشاعر لا يعزف منفردا وإنما يردد صدى ألحانه جماعة المتلقين في مجتمعه وبيئته وليحدث هذا لابد من تفعيل آليات الاتصال والتمكن من استخدامها مثله في ذلك مثل بلابل الغابات فما إن يبدأ البلبل أو العصفور الصداح بالشدو حتى نجد كل الطيور المغردة قد بدأت بالتفاعل وإرسال أنغامها الجميلة عبر أثير الغابة اللامتناهي وهكذا يحدث التغيير عبر تناقل الأنغام والتجويد فيها إلى الجميع بلا استثناء .. ولكن ماذا يحدث في الغابة المليئة بالغربان والبوم والكثير من الطواويس المتغطرسة والمختبئة خلف الإبهار البصري الكاذب المتمثل في ريشها المزخرف حتى لا يكتشف أحد حقيقة النشاز والقبح الكامن في أصواتها ؟!!! سينعزل كل طائر مغرد حقيقي ، سيبتعد إلى أعلى شجرة يعزف وحيدا ولكن بإباء علّ وعسى يستيقظ النائمون الغارقون في سبات الإبهار الكاذب والضجة الإعلامية الفارغة..
شطحات التجديد والحدود :
عندما حاول بعض شعراء التفعيلة الأوائل الخروج على أعراف القطيع كان الهدف يتركز في بعض النقاط الأساسية وعلى رأسها تحريك المياه في النهر بدلا من جريانه ببطء شديد وتنظيفه من العوالق والترسبات التي هددت مجراه تهديدا حقيقيا بالتوقف فلم يعد الناس ينهلون منه كما كانوا ينهلون بغزارة وانتشار وأصبح النهر حبيس الجدران الأكاديمية والتقعر المبالغ فيه أو بعض التجمعات الجامدة من عشاق الروتين واجترار نفس الأفكار بلا كلل ولا ملل ، فالهدف إذن هو التجديد في بعض الجوانب القابلة للتجديد دون المساس بالمنابع الأصيلة للنهر فما بالنا بالتخلي عنها والانسلاخ التام منها ؟!!
حمل بعض الشعراء الجدد راية ” شاعر القبيلة ” الناطق باسمها والمدافع عنها لكن بصورة عصرية أضافوا لها تبصر ونبوءات زرقاء اليمامة وتنبيهاتها وندم ابن زريق البغدادي وحسرة البحتري وحكمة المتنبي ونصح ابن أبي سلمى وحكمة المتنبي ومجون أبي نواس وتحولات أبي العتاهية من الخلاعة والضلال إلى الزهد والالتزام وكل كل تدرجات الشعراء الصوفين عبر الزمن ورغبتهم الشديدة في التجلي والوصول لكن عبر أسلاك الهاتف العصري فلم يعد هناك سوق يعقد في عكاظ ولم تعد قصور الأمراء والحكام تعج بالأدباء والشعراء كما كانت في سالف الزمان ..
لقد حملوا رسالة حقيقية تهدف إلى إيقاظ الوعي النائم في غرفة الإنعاش وقدموا أجساد قصائدهم التي تحاكي عصرهم محاكاة حقيقية وواقعية قرابين فوق مذبح إله الجهل والجمود ليرحل عن بلادنا ويسمح لأشعة الشمس بالتغلغل وإحياء ما كان لنا بالفعل، لابد من الخروج من أسفل العباءة عندما يصبح كل شيء مخبأ أسفلها مهددا بالتلاشي ومنفصل تماما عن الواقع، ويكفينا هنا ذكر جملة لنزار قباني يقول فيها : ” السترة موقف لا موقف له ، ونقطة جبانة ومترددة لا تتخذ قرارا ولا تغضب أحدا .”( قصتي مع الشعر ص 133)
خرج نزار – كمثال جيد – لما نتناوله هنا على حدود القطيع مرتين : الأولى عندما جدد في الشكل وتحرر من قيود القافية المفروضة والسماح للعفوية الطبيعية منها بالانسياب مع تيار القصيدة المتدفق حدة وهدوءا . الثانية عندما تحول من ” شاعر المرأة ” أو ” شاعر الحب” إلى شاعر الموقف وهنا قامت الدنيا ولم تقعد ومع ذلك استمر الشاعر لأنه يعرف ماذا يريد ، لأنه مصر على غرس مشرطه بقوة لنكأ الجرح وتنظيفه من الصديد ولكن من ساعده على الاستمرار؟ إنه ذلك الاتصال الحيوي والطبيعي بين الشاعر وسائر أفراد قبيلته التي تثق فيه إنه التوحد في الشعور والرغبات والأهداف ، يقول نزار: ” الشعر يد ..والجمهور باب .. والشاعر الذي لا يتجه بشعره إلى أحد ، يبقى نائما في الشارع..” ( قصتي مع الشعر ص 170) ويقول في موضع آخر : ” إنني أكتب عن المرأة ، وعن القضية العربية بحبر واحد .. وأقاتل من أجل تحرير المرأة من رسوبات الشعر الجاهلي ، كما أقاتل من أجل تحرير الأرض من حوافر الخيول الـ ……” ولهذا خرج نزار على عرف البقاء في صورة واحدة ووضعية واحدة ، فالتوقيت الحزيراني لا يسمح بعرض اللواعج ووصف المغامرات الرومانسية ، فأتت قصائده السياسية المعبرة عن الأحداث والمواقف الآنية وقتها غاية في الصدق والواقعية : “كل كتابة عربية معاصرة لا ترتفع إلى مرتبة إطلاق النار، تتحول إلى نقش هيروغليفي على قبر فرعوني قديم.” ( قصتي مع الشعر ص 276) فقد كان يتحدث بلسان رجل الشارع ويعبر عما بداخله من غضب وحزن وصدمة بل واضطراب وضبابية في الرؤية : ” لماذا يعيد موزع البريد قصائد شعرائنا إليهم ؟ لأنهم نسوا عنوان الشعب . هكذا ببساطة.” ( قصتي مع الشعر ص 172) وما دام الاتصال قد حدث بالفعل بين الشاعر وجمهوره وأثبتت القصيدة العربية الحديثة وجودها في ثوبها الجديد وقاعدتها الثابتة مع قليل من الرتوش المجملة فهل يعني هذا أن يستمر الشعراء في عمليات التجديد إلى ما لا نهاية ؟!!!
الإجابة : نعم وكلا في ذات الوقت …. نعم : على مستوى التنوع في الموضوعات المطروحة بما يعود بالنفع – حتى والشاعر يبحث في ذاته التي تخصه لأنه مثال أو نموذج – وعلى مستوى إدخال أساليب القص والحوار والدراما الشعرية ، نعم فيما يتعلق بالتلامس الوجداني مع كل ما يحيط بنا في العالم واستخدامه كوسيلة للرسم بالكلمات في القصائد ولأن طبيعة الشاعر العربي المتأثرة بكل ما يحيط به تدفعه دائما للبحث عن الجديد ” كل مجموعة شعرية هي مجموعة من العادات المكتسبة . وكلما انتهيت من نشر ديوان جديد .. أحاول أن أتخلص من عاداتي القديمة لأكتسب عادات جديدة . ” ( قصتي مع الشعر ص 290)
ثم لا وألف لا : عندما يقول أحدهم : لقد سئمنا الموسيقى الشعرية والآخر خارج حدودنا يكتب بصيغ أخرى لابد من تجربتها ومعاقرتها ، ونحن نريد أن نكون أحرار تماما حتى على مستوى الموسيقى الداخلية فتجد هذا وذاك قد بدأ مسيرته (الكاذبة) بمؤَلّفٍ مطبوع خال من الشعر التفعيلي أو العمودي ويطلق على نفسه شاعرا وعلى ما طبع ديوان من الشعر !!!
هناك حدود يجب الالتفات لها وهناك تدرج لابد منه – فيما يعتنق أمثالي – وطريق لابد من توسم سماته ومزالقه ومن ثمّ التمتع بهباته بعد بلوغ شوط كبير من السير فيه والتوغل في متاهاته والقدرة على الخروج منها أو من معظمها على الأقل بسلام ….لا تكتب لي نصا ” قصيدة نثر” وأنت لا تعرف شيئا عن العروض والتفعيلات فحتى اللغة أي لغة في هذا العالم ستفرض عليك عند تعلمها الإحاطة التامة بحروفها وكيفية نطقها ومحاكاة النماذج المتوارثة فيها للتدرب عليها وممارستها بشكل فعليّ .. عندما يذكر أحدهم في أي بقعة من هذا العالم الكبير مصطلح ” الشعر الغنائي” فالذاكرة دائما ستذهب إلى حيث ” الشعر العربي ” لأن أهم ما يميز شعرنا العربي هو الغنائية ذلك أن الشاعر القديم الذي أوجدها كان يحاكي حركات الكائنات في بيئته ويتغنى بالحياة ذات الوتيرة الثابتة من حوله فتخرج في صورة منتظمة خالية من الكسر والخلل الموسيقي ، أما شعراء التفعيلة في رأيي المتواضع فإن حساسية الشاعر الحقيقي داخل كل منهم جعلته يفطن دون وعي – ربما – إلى حالة التشوه والتكسر بل والتسارع الذي أصاب المجتمعات والحياة من حوله لكن الموسيقى تصر على البقاء ولو في صورة شبه منتظمة لأن التشبث بالجذور يساعدنا دائما على عدم فقدان الهوية وحقيقة من نحن ، التشبث بالجذور يجعلنا نميل قليلا أو ننحني قليلا ليعود الشعر أقوى وأصلب من جهة عرض الواقع المفكك والمتخبط ومن حيث تسليط الضوء على حالات التردي الفكري والاجتماعي والأخلاقي والسياسي أيضا ، التشبث بالجذور يجعل الآخر قادرعلى معرفة النصوص التي تخصنا دون سوانا لأنها موسومة بغنائيتها المميزة الخارجية والداخلية.. وعلى ما سبق ماذا سنسمي النصوص التي تخلو من الغنائية إذن؟ سمها أي شيء فالعربية بمرونتها وأساليبها البلاغية الرائعة قادرة على استيعاب كل الأشكال الكتابية وإيجاد المزيد من الأجناس – فيما أؤمن -ولكن لا تقنعني أبدا بالمصطلح الذي يناقض نفسه بنفسه..هل هو لون من ألوان الشعر ؟ سؤال لا يزال محل خلاف قوي في الساحة الأدبية وليس لأمثالي أن يجزموا بشيء قطعي ، لكن الذي يرتاح له أمثالي هو أن هذا اللون من ألوان الكتابة المتحررة من قيود الشكل الغنائي للشعر العربي يحمل في طياته – حال تمكن الشاعر الحقيقي – شيئا من الشعرية والبلاغة ..كيف ذلك؟!! الذي لا ينتبه له الكثير من دعاة التجديد من جهة وبعض النقاد الناقمين الجامدين من جهة أخرى أن شعراء التفعيلة هم في الأساس شعراء عموديون كتبوا الشعر العمودي وأجادوه فهم يعرفون قيمة موروثهم الشعري ولهذا وقف أغلبهم من عمليات الشطح في التجديد مواقف حذره جدا وعلى رأسهم نزارقباني رغم تمكنه من أدواته الشعرية لكنه خاض غمار هذه التجربة – الكتابة بحرية شكلية – في أواخر مسيرته الشعرية وليس في بداياتها وتحدث عنها على استحياء وبحذر شديد تقبل فيها – وهذا رأيه الشخصي – دخول قصيدة النثر إلى نادي الشعر، ووضح رغبته في وجود مساحة أكبر من الحرية تكمن في التحررمن القيد الخارجي وليس التحرر من الأدوات البلاغية والموسيقى الداخلية : ” ومن خلال تعاملي مع الكلمات ، وتأملي للإمكانيات الموسيقية غير المحدودة المخبوءة تحت جلد المفردات ، ولألوف الإيقاعات المحتملة التي يمكن أن يفجرها الكاتب من تربة اللغة وطبقاتها السفلية ، تكشّف لي أن الخط الصارم الذي تعودنا أن نرسمه بين الشعر والنثر هو خط وهمي ..” (ص 296) أما محمود درويش فلم يحدد رأيه النهائي فيما يتعلق بموقفه من المصطلح حيز الإشكال رغم رفضه الشديد في مجلته ” الكرمل ” في مقال شهير يحمل عنوان ” أنقذونا من هذا الشعر ” ولكنه فيما ثبت من خلال العديد من لقاءاته وحواراته الموثقة فيما بعد يميل إلى اعتبار ” قصيدة النثر” شكلا من أشكال النثر الشعري والثابت أنه رفض أن يكون من كتابها رغم ادعاء البعض عكس ذلك ( مجلة العربي العدد 753) ومحاولات بعض الدارسين والشعراء النقاد البحث في ميراث درويش الشعري عن نصوص ” قصيدة النثر” لأن رأي أمثاله يشكل ذريعة قوية لتمريرها وقبولها بسهولة بين الجماهير وليس فقط في الأوساط الأدبية .. أما أمل دنقل فموقفه واضح تماما كقصائده ذات اللهجة الرافضة والمتمردة على المفروض واقعيا وليس على جذور الشعر، وكان يوجه انتقاداته وتنبيهاته دون خوف أولوم وإنما يدفعه إلى ذلك وفاؤه لمبادئه ولوعيه الكبير بحدود التجديد ومتى يجب أن نتوقف ، ويتفق معه في هذه الرؤية كل من حسن عبد الله القرشي وعبد الرزاق عبد الواحد وغيرهم كثير ..
لكن هناك من قبلها بل وأدخلها إلى عالمنا العربي وهو أحد كبار الشعراء المجددين ” علي أحمد سعيد إسبر” الذي اختار لنفسه فيما بعد لقبا يرمز إلى البعث والتجديد الذي يرغب فيه ” أدونيس”
أدونيس والشرَك :
هل يمكن أن ينسى المرء من هو ومن أين أتى أجداده ؟!!!
كان أدونيس شاعرا عموديا وتفعيليا متمكنا في بداياته ومن كبار الداعمين لعملية التجديد في الشعر العربي والداعين لضرورة عمل تجديدات في التربة التي تحيط بدوحة الشعر العربي ولكنه لم يتوقف عند هذا الحد ، كان طموح أدونيس يتخطى حدود الواقع والراسخ وما يعنيه مصطلح ” الهوية” …
إن انتماء أدونيس إلى جماعة ” شعر” والأيديولوجيا التي تفوح رائحتها من توجهات المجلة آنذاك يطعن في رغبة التجديد الشعري البحت والسعي إلى الكشف كما يدعي أدونيس .. أي كشف وأي تجديد في القطيعة التامة مع تراثنا وما كنا عليه؟! لقد أقدم أدونيس على خطوة كبيرة جدا أحدثت ضجة كبيرة في تلك الأوقات ولا تزال تبعاتها موجودة حتى يومنا هذا ، وأدخل ” الشعر الحر” الذي قدمت له ولشروطه المعروفة سوزان بيرنار في كتابها الشهير إلى عالم لا يتساهل مع عملية الخلط بين الشعر والنثر ، فهل كانت النية صادقة ؟ إن التبريرات التي ساقها أدونيس والشروحات المستفيضة تقول العكس ، فالشعراء التفعيليون كانوا صوفي الرؤية في أحيان كثيرة ولكنهم لم يتخلوا عن موروثاتهم ولم يتنكروا لها كما فعل أدونيس ومن تبعه بل قاموا بدمجها مع الكثير من الرموز والأساطير الجديدة على عالمنا فازداد الشعر العربي بهاء ورونقا …
لقد راهن أدونيس على مسألة قبول ما يدعو إليه استنادا إلى قبول رجل الشارع التجديد السابق من تغييرات في الشكل وعدد التفعيلات والتحرر الجزئي من القافية فاعتقد أن رجل الشارع الذي كان يملك قدرا عاليا من الوعي والثقافة قد يستسيغ ما يدعو إليه ” لم نحزن على حالنا من هذا الهجوم ، وإنما حزنا على الثقافة والوسط الثقافي . حزناّ على العقلية الكامنة ورءها . حزنا على مستوى التفكير ومستوى الاخلاق فلم تبقَ شتيمة أو تهمة إلا وجهت إلينا . كنا ننتظر معارضة لمشروعنا . معارضة في مستوى الشعر تنتقد آراءنا تنبه إلى أخطائنا تقترح علينا ما تراه الأفضل والأعمق . معارضة توجهنا نحو ما يفيدنا في متابعة عملنا من أجل الشعرالعربي . ولم يخطر ببالنا أن تكون ردة الفعل ضد المجلة شرسة وغبية إلى ذلك الحد . شرسة : لأن التهم التي وُجّهت إلينا كانت نوعا من القتل المعنوي ” رجعية ، مؤامرة ، تبعية للاستعمار ، خيانة .إلخ ” مما يحرض على القتل المادي. ” ( ها أنت أيها الوقت ص 41)
والتجديد في رؤية أدونيس قائم على القطيعة الكتابية مع الأنماط التقليدية مع التأكيد على التواصل مع ( ماضٍ شعريٍّ ما ) والشعر عنده : ” رؤية تنقل فنّياًّ الرغبة في تغيير صورة الواقع وتخلق له مغايرة ” (ها أنت أيها الوقت ص 48 ) ويطرح أدونيس في حديثه عن القصائد التي نشرتها المجلة في عددها الأول مسألة التجديد في العروض من حيث هو كلي أي على مستوى الفن واللغة وليس فقط على مستوى الوزن ، ويؤكد مرة أخرى على أنه ورفاقه كانوا يحاولون إرساء مناخ قائم على أساس قبول الآخر فكريا وشعريا بغض النظر عن توجهات الشعراء الأيديولوجية .
ماذا يعني أن نتقبل الآخر ؟ من قال أننا لم نقبله ونتعرف عليه وعلى أفكاره القديمة بل ونتبنى بعضا منها ونحافظ للإنسانية على جزء مهم منها عبر حركات الترجمة والدراسة والنقل منذ قيام الحضارة العربية ؟!!
ويرفض أدونيس النظرة التي تتناول علاقة الشاعر بعصره وأنه يعكس الأحداث فيه لأنه في ” هذه الحالة لا يعكس إلا ما يجب الخلاص منه وإلا ما تعمل النهضة لتهديمه . ولا يكون الانعكاس هنا إلا نوعا من إعادة انتاج للانحطاط . على العكس ، يصبح دور الشاعر في أن يكون منارة ينبعث من نتاجه نور يضيء الحياة بشكل جديد ، ويدل على مكامن الجمال والقوة فيها .” ( ها أنت أيها الوقت ص 107) ونتساءل أليس الشاعر علامة من علامات عصره بل وشاهد عليه في أحيان كثيرة ؟… فكثير من الشعراء يركنون إلى تعرية الحقائق ونكأ الجروح من أجل إيجاد الحلول الناجعة والفعالة أو كما يقول المتصوفون على الساعي إلى التجلي أن يقدم على التخلي أولا فإن تم له ذلك تحلى … أي أنه يتصف بالصفات الجيدة بوضعها مكان المساوىء التي تخلى عنها سابقا …فهذا هو دأب الشعراء المرتبطين بأوطانهم وأحداث عصرهم يعملون على إزاحة الستار عن المساوىء الموجودة في عصرهم لإزاحتها والتخلص منها أولا فإذا استجاب الناس والمجتمع تم التغيير إلى الأفضل ….
وعن موسيقى قصيدة النثر في رأيي المتواضع فقد أخفق كثيرون في معرفة سرها …نعم هناك بعض من كبار الشعراء عرف هذا السر وأجاده لكن باقي الشعراء من أجيال المجددين والتجريبيين و( المتساهلين لانعدام الأدوات لديهم ) يكتبون الكلمات مرتبة ومزينة بمختلف علامات الترقيم ومع ذلك عندما أقرؤها لا أشعر بتلك النشوة الأدبية التي يحدثها عادة قراءة قصيدة جيدة من الشعر .. لماذا ؟!
لنجيب على هكذا تساؤل سأقرب المسألة من واقع تجربتي كقارىء ومستمع للشعر قبل أي شيء آخر … فكل قصائد النثر التي قد تكون أعجبتني أو هزني مضمونها الشعري قد تم الاستماع إليها ولم أقرأها لأنها – من جهتي – تفقد أهم ميزة في الشعر – كما اعتدنا – وهي الإيقاع الموسيقي البارز ؛ ولهذا عندما أستمع إلى الشاعر نفسه وهو يلقيها أشعر به وهو يمنحها إيقاعها الخاص عبر وقفات عند كلمات أو مقاطع بعينها أو تكرار لبعض الأسطر وقد يخفت صوته في جزء من القصيدة وقد يرتفع في جزء آخر … إنه يشعر بطريقة تلقائية باحتياج كائنه الشعري إلى الموسيقى الخاصة بالعرض ولأنه قطع صلتها الوثيقة بالأوزان القديمة ( الكلاسيكية) والحديثة ( التفعيلة ومجزوءات بعض البحور) كان لزاما عليه أن يقوم بعمل الأوركسترا التي تقف خلف المغني أو المطرب … إنه يمنحها موسيقاها عبر الأداء المباشر .. ومن ثمّ فإنني أرى أن قصيدة النثر لا يجوز إلقاؤها أول مرة إلا من خلال شاعرها لأنه قام بتأسيس الإيقاع وهو يكتبها دون أن يشعر فإذا ألقاءها بنفسه نقل لنا بصورة وجدانيه ملامح تجربته أثناء عملية الإبداع والكتابة… والشاعر ( الأدونيسي ) هنا يتحول إلى شاعر ( سلفي مقنع ) والمصطلح لأدونيس – يصف به شعراء التفعيلة – بدون قصد لأن جوهره من الداخل يدرك المعنى الحقيقي لغنائية الشعر العربي التي تسري في دمائنا .. إنه يدور حول نفسه يبدأ بتحرر شديد فيجد نفسه تنزع إلى سد الخلل بطريقة لا إراديه ليعود إلى المصدر حيث نقطة الصفر ، يقول الشاعر خليل خوري : ” كلٌّ يقول الآن أن قصيدة النثر هي مظهر من مظاهر الحداثة في الشعر . أنا لي رأي مخالف جدا . قصيدة النثر هي المرحلة التي عرفها الشعر قبلما يخرج إلى ما نعرفه من أوزان عليا . وعندي أدلة . هناك بلدة على الفرات اسمها سامسوط تخرج منها مفكرسرياني إغريقي في ايام هيمنة اللغة الإغريقية في المنطقة ، كان الرومان موجودين لكن كانت آثار الاسكندر الثقافية ما تزال . اسمه ( لوقيانوس ) السمياطي الذي ولد سنة 625 ميلادية وتوفي سنة 693ميلادية ، وهو مفكر كبير سرياني إغريقي كتب أدبه وفكره باللغتين ولا سيما باليونانية في الفترة الثانية ، وعنده من المؤلفات (مجمع الآلهة ) و( حوارات الموتى ) وعنده كتاب مهم جدا عنوانه (كيف يجب أن يكتب التاريخ) في هذا الكتاب الأخير يتكلم إلى أي حد يمكن أن يتقبل التاريخ أشياء غير حقيقية فيقول : إذا تقبل التاريخ بعض المراهنات أيكون أكثر من قصيدة نثر فقدت فخامة اللغة والشعر بسبب افتقادها إلى الوزن ، وحافظت على الصور الصارخة بسبب انعدام الوزن فيها . هو يتكلم عن قصيدة نثر من ألف وثمانمائة سنة ، فكيف تكون عند من لا يعرفون ، سمة حداثة وهي في رأيي أنا القصيدة التي انحسرت لأن ضربا آخرمن الشعر حل مكانها وهو الشعر الموقع من خلال الأوزان .” ( أسئلة الشعر ص 105)
وبناء على ما سبق فإن ما قام به أدونيس هو أنه عاد إلى الوراء ولم يتقدم كما يحاول أن يقنعنا… لم يثُر كما أخبرنا لأنه ببساطة اقتلع كل جذور تاريخ التطور وعاد بنا إلى نقطة ( صفر) من حيث بدأ النظم ! فهكذا اتجاه يمكن استساغته في فرنسا ، لماذا ؟ لأنهم لم يعودوا إلى قصيدة النثر كما فعلنا نحن … فالفرق كبير جدا بين موسيقانا وموسيقاهم فالكلمة في الفرنسية تحسب في الشعر وفي النثر بعدد مقاطعها.
لقد أوقعت دعوة أدونيس المزعومة إلى الشطح في التجديد الكثير من عشاق دخول نادي الشعر من الأبواب الخلفية في شركه ولو أنه اكتفى بعرضها كلون من ألوان الكتابة المميزة كنص نثري يحمل في طياته الكثير من الشعرية العالية لكان خيرا له بدلا من السعي إلى نسف التراث نسفا لا مبرر له ، وهكذا انتشر الأدونيسيون ودافعوا عن رؤيتهم ونشروا ما شاءوا من المؤلفات فهل يحفظ رجل الشارع شيئا لأحدهم؟!! كلا والسبب ليس في التخلف والرجعية كما يدعي أدونيس بل في ذلك العداء الشديد تجاه الوزن ..
إن قدرات الشاعر وإمكاناته وصِدقه في التعامل مع تجربته الشعرية هي التي ستجعل من الوزن أداة تمنح الحرية إذا نبع الشعر من داخله ، وليس قيدا إلا إذا أصر الشاعر على النظم وفقا له فساعتها سيسيء إلى الشعر وإلى العروض كما يرى سميح القاسم في بعض آرائه … إن العداء مع الوزن سببه عدم استيعاب – وليس حفظ – الأوزان مما يؤدي إلى حالة من الإحباط الذي يدفع إلى اتخاذ موقف عدائي من الوزن ويكفينا هنا تساؤل سميح القاسم ورؤيته النهائية : :” أنا عاجز عن معانقة الشمس ، فلماذا أعادي الشمس؟ أنا عاجز عن مصافحة أبولو ،فهل هذا يعني أنني مضطر لشتم أبولو وإلغاء وجوده؟ ” ( أسئلة الشعر 143 )
ولا يرفض سميح القاسم كتابة ( قصيدة النثر ) ويرى أنه قد يكون أول شاعر فلسطيني يكتبها كما أنه كتب قصيدة التفعيلة ، لكن بمرور الزمن حدث شيء من الامتحان والتجريب وانتهى به الأمر – وهذا رأيه الخاص – بأن الشعر الموزون وشعر التفعيلة بالذات هو ” الشكل الأكثر التصاقا بتجربتي والأكثر إمكانية لتدفقي إن جاز التعبير ” فالقضية ليست قضية معاداة لشكل أو لآخر وإنما هو تناول الأفكار ونقدها بشكل موضوعي دون تحيز على عكس ما نرى عند أدونيس ودون توجيه اتهامات بلا أدلة ، فشعراء التفعيلة والأجيال التي تلتها يكتبون قصيدة النثر – وفقا لشروطها – وبالتدرج الطبيعي فوق السلم الشعري ولكنهم لا يلغون الأشكال الأخرى من الكتابات ويرحبون بالوزن طالما كان عفويا وجزءا حقيقيا في التجربة الشعرية .
وختاما : تريد أن تكتب شعرا وتشعر في داخلك بربته وهي تثور تعلم أصوله وأسسه وجرب قدر ما شئت وتقبل النقد البناء وتدرج بعفوية المحب لا المجبر .. أما عدا ذلك فأنت أدنى من شعرور أو شويعر وربما لا شيء ..
