بين التسامح الإجتماعي و التسامح الديني …مقال بقلم/ مدحت صلاح


بين التسامح الإجتماعي و التسامح الديني …مقال بقلم/ مدحت صلاح

ذاتَ صباحٍ مِن أحدِ الأيّامِ الخريفيّة، فصلِ الحنينِ والهدوءِ النفسيّ، فصلِ التسامحِ والسّلام، كنتُ منشغلًا ـ كعادةِ الجميعِ في تلك الآونةِ بعدَ الثورةِ الرقميّةِ ـ بتصفُّحِ مواقعِ الإنترنت لمُتابعةِ الأحداثِ الجارية، لا يومًا بيومٍ فحسب، بل دقيقةً بدقيقة.
فقد ولّى زمنٌ كنّا نبدأُ يومَنا فيه بتصفُّحِ الصُّحفِ الورقيّة، نعرفُ مِنها الأخبارَ بعدَ وقوعِها بعدّةِ أيّام.
حينما ظهر أمامي أحدُ المشايخِ وهو يتحدّثُ عن خُلُقِ التسامح، توقّفتُ للحظةٍ، ولم أكنْ أُخطِّطُ أن أسمعَ درسَه كاملًا ـ كعادتي منذُ فترةٍ ـ لكنّ صوتَه الهادئَ الرخيم، وأسلوبَه السَّلسَ الوقورَ في السَّردِ جعلاني أُكملُ الإصغاءَ إليه، خاصّةً عندما تحدّث ضاربًا الأمثلة:
إنّ مِن أجملِ صورِ التسامحِ ما يكمُنُ في قولِ نبيِّ اللهِ يُوسُفَ لإخوته: «لا تثريبَ عليكم اليوم»، تاركًا ما فعلوه من أذًى له وراءَ ظهرِه، وكأنّه فعلٌ هيِّن، ووصفَ ما حدثَ منهم بأنّه نزغٌ من الشيطان.
عندها توقّفتُ شاردًا بعقلي عندَ الموقفِ الشهيرِ للتسامحِ، بعد أن فَتحَ المسلمونَ مكّةَ، واجتمعَ زعماءُ قريشٍ أمامَ الكعبةِ منتظرينَ حكمَ الرسولِ ﷺ، فقالَ لهم: «ما تظنّون أنّي فاعلٌ بكم؟»
فردّوا: «خيرًا، أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريم».
فجاءَ ردُّ الرسولِ ﷺ: «اذهبوا فأنتمُ الطُّلَقاء»، وفي روايةٍ أخرى: «لا تثريبَ عليكم اليوم، يغفرُ اللهُ لكم».
أخذتُ أُفكِّرُ مرّةً أُخرى في الحدثين؛ فالأوّلُ كان في مفهومِ التسامحِ الاجتماعيّ، بينما الثاني كان في التسامحِ الدينيّ، ولكنْ كِليهما كان من موقفِ قوّةٍ لا عن ضعف.
ويحضُرُني كذلك قولُ السيّدِ المسيحِ عليهِ السلام:
«لَا تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ».
وهو دعوةٌ إلى عدمِ مُقاومةِ الشرِّ بالشرّ، واللجوءِ إلى المقاومةِ السِّلميّةِ والتسامحِ بدلًا عن الانتقام. وهو لا يعني ضَعفًا على الاطلاقِ، بل موقفًا يُنهي دورةَ العنفِ والانتقام، حيثُ يتجاوزُ الإنسانُ الأذى الذي يُلحِقه به غيرُه.
ورمزيّةُ الصَّفعةِ هنا ـ في الثقافةِ القديمةِ وما زالت في الغربيّةِ حتى الآن ـ أنّ الصَّفعةَ بظهرِ اليدِ على الخدِّ الأيمن، ولو كانت خفيفةً، تُعدُّ إهانةً قاسيةً، تُجبِرُ المتلقّي على الردِّ إنِ استطاع.
والقصدُ هنا هو المعنى الرّوحيُّ أكثرَ من المعنى الحرفيّ، فالإنسانُ لا يُلطَمُ على خدِّه الأيمنِ إلّا إذا كان الضّاربُ أعسرَ، أو استخدمَ ظهرَ كفِّه الأيمن.
ويُفسِّرُ كثيرونَ هذا القولَ على أنّه دعوةٌ للمُقاومةِ السِّلميّةِ ضدَّ الظّلمِ والإهانة، لا طاعةً للمسيء. فالهدفُ من هذا الموقفِ هو كسرُ حلقةِ العنفِ والانتقام، إذ يتجاوزُ الإنسانُ مَن يُؤذيه بإظهارِ تسامحٍ غيرِ متوقَّع.
إنَّ ممارسةَ التسامحِ لا تعني أبدًا تنازلَ المرءِ عن حقوقِه، أو التهاونَ في معتقداتِه، أو قبولَه لأيِّ صورةٍ من صورِ الظّلمِ الاجتماعيّ، كما أنّها لا تتعارضُ مع حقوقِ الإنسان.
وقد قال اللهُ تباركَ وتعالى:
﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
وفي هذه الآيةِ الكريمةِ مخاطبةٌ إلى رسولِنا الكريمِ ﷺ أن يتسامحَ ويصفحَ، ولا يأخذَ بالانتقام، وهذا لأمّتِه من بعدِه أيضًا. وقد ربطتِ الآيةُ الكريمةُ بين كلماتٍ ثلاثٍ: التسامح، والصفح، والسّلام.
وهبطتِ الرِّسالاتُ السَّماويّةُ كلُّها تحُضُّ على الأخلاق، وتتعدّدُ الأخلاقُ الكريمةُ التي يجبُ على الفردِ أن يتحلّى بها، ومنها خُلُقُ التسامح، الذي يعني العفوَ عندَ المقدرة، والتَّرفّعَ عن أذى الناس، والصَّفحَ عنهم إنْ أخطؤوا يومًا في حقِّ الفرد.
يقولُ اللهُ تعالى:
﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
فالتسامحُ باختصارٍ مرتبةٌ أخلاقيّةٌ عاليةٌ، تدفعُ الفردَ إلى السُّمُوِّ بنفسِه عن ردِّ الإساءةِ بالإساءة، أُسوةً برسولِنا الكريمِ ﷺ، ورسالاتِ الرُّسُلِ السّابقينَ الذينَ دعَوا جميعُهم إلى هذا الخُلُقِ الكريم.
كما يعني التسامحُ اللِّينَ وقبولَ الآخرِ دونما تحيُّزٍ أو تعصُّبٍ أو تطرُّف.
وللتَّسامحِ صُوَرٌ كثيرةٌ تكادُ تطالُ كلَّ مواقِفِنا الحياتيّة، فعلى الإنسانِ أن يكونَ مُتسامحًا في قبولِ اختلافِ الآخَرِ الدِّينيّ، والفِكريّ، والعِرقيّ، والقِيميّ، دونما تحيُّزٍ أو عُنصريّة؛ فالاختلافُ لا يُفسِدُ للودِّ قضيّةً كما يُقال.
ومن صُوَرِ التَّسامحِ أيضًا نِسيانُ خِلافاتِ الماضي والإساءةِ عن طيبِ خاطر، والعفوُ عمّن أخطأ في حقِّنا لا ضَعفًا، وإنّما رغبةً في ثوابِ ربِّ العباد، والنَّأيُ بالنَّفسِ عن الأحقادِ والضَّغائن.
ومن صُوَرِ التَّسامحِ كذلك فَتحُ أعيُنِنا لرؤيةِ حسناتِ الناسِ، والتركيزُ على مَزاياهم وتصَرُّفاتِهم الإيجابيّة، وغَضُّ الطَّرفِ عن زلّاتِهم، وكذلك الحرصُ على وَصلِ الآخرينَ ومُشاركتِهم أفراحَهم وأتراحَهم ومُناسباتِهم الاجتماعيّة، حتى وإنْ بدرَ منهم تقصيرٌ في مشاركتِنا مُناسباتِنا أحيانًا، حيثُ يقومُ الفردُ بذلك رغبةً في نيلِ رضا اللهِ لا أكثر.
وقد يكونُ التَّسامحُ في مَهلَةٍ يمنحُها الدائنُ لمَدينِه، فيفرّجُ عنه ويُمهِلُه بعضَ الوقتِ لتدبيرِ أُمورِه.
فالتَّسامحُ هو اللِّينُ في كلِّ أمرٍ، والرِّفقُ في معاملةِ الإنسانِ لأخيهِ الإنسان، فالدين المُعاملة.
إنَّ التَّسامحَ هو مَصدرُ الحُبِّ والسَّعادة، وهو طريقُنا إلى اللهِ، والجسرُ الذي يجعلُنا نُفارِقُ اللَّومَ والذَّنبَ والخِزي، ويُعلِّمُنا أنَّ الحُبَّ هو مَصدرُ السَّعادة.
فالتَّسامحُ طهارةٌ للقلبِ والرُّوح، يزيدُ صِلَتَنا بالمقدَّسات، ويُشعِرُنا بالأمن، ويُرسِلُ الطمأنينةَ إلى أنفسِنا، فيَسمو بها إلى السَّلامِ الدّاخليّ، ويُنقّي الهواءَ من حولِنا.
التَّسامحُ هو التَّخلّي عن الانتقامِ، والبُعدُ عن الكُرهِ أو الغضبِ، وزيادةُ الثِّقةِ بالنَّفس، وتَرجيمُ وساوِسِ الشياطين، ونسيانُ الماضي الأليم، وإساءةُ الآخرينَ لنا، واتِّخاذُ القرارِ بأن نضعَ بدايةً جديدةً لعلاقتِنا بأنفسِنا والآخرين، وألّا نُعانيَ أكثرَ من ذلك، بل نُعالِجَ أنفسَنا من الألم، ونفتحَ نوافذَ على جمالِ الآخرينَ ومميّزاتِهم، دونَ التَّركيزِ على العُيوب.
وممّا لا شكَّ فيه أنَّ التَّسامحَ من المبادئِ العظيمةِ التي تُعلِّمُنا الحِلمَ والصَّفحَ عن كلِّ مُخطئٍ، لأنَّنا جميعًا أهلُ خطأٍ ونَذنب. فالتَّسامحُ هو ما يُرمِّمُ الشُّروخَ التي تسبَّبَ فيها إيذاءُ الآخرين.
وهناكَ أمرٌ هامٌّ جدًّا، وهو أنَّه قبلَ التَّسامحِ مع الآخرينَ، يجبُ أوّلًا أن نُصالِحَ أنفسَنا، ونَتسامح معها ..
قِفوا مع أنفسِكم، وتخلَّصوا من الحقدِ والكراهيةِ والبغضاءِ، من الغباءِ والحماقةِ، ومن تكرارِ الأخطاء. فبالتَّأكيد ليس كلُّ من حولَنا دائمًا سيّئينَ وحدَهم ونحنُ ملائكة، وليسوا جميعًا خيّرينَ ونحنُ شياطين؛ أكيدٌ أنَّ لنا أخطاءَنا أيضًا!
فلنَتخلَّصْ منها، من الأفكارِ الباليةِ التي لا تُؤدّي إلى نتائج، ونحنُ مُصرّونَ عليها، مُلقينَ باللَّومِ دائمًا على الآخرين.
تخلَّصوا من العاداتِ الخاطئةِ، ومن تكرارِ الغلط، وتخلَّصوا من المشاعرِ السلبيّةِ، وازرعوا الإيجابيّةَ؛ لتعودَ قلوبُكم نقيّةً نظيفةً، تستطيعُ أن تُسامِحَ وتَتسامح.
ومن جمالِ الأديانِ السماويّةِ أنّها تأمرُنا بالتسامحِ، كما أَكَّدَتْ الدّراساتُ العلميّةُ فوائده التي لا تُعَدّ ولا تُحصى.
فمن خلالِ بعضِ التجاربِ أَثْبَتَ العلماءُ أهمّيّةَ التَّسامُحِ على صحّةِ الفردِ. فعندما أَحْضَرَوا بعضَ الأشخاصِ ودرَسوا حياتَهم الاجتماعيّةَ وأوضاعَهم الماديّةَ والنفسيّةَ، ووجّهوا لهم العديدَ من الاختباراتِ التي تُعطِي مؤشّرًا على سعادةِ الإنسانِ، وجدوا مفاجأةً: أنَّ الأشخاصَ الأكثرِ تسامحًا همَ الأكثرُ سعادةً في المجتمعِ.
فقرّروا استكشافَ علاقةِ التَّسامحِ بأمراضِ القلبِ؛ أهمِّ أمراضِ العصرِ، فوجدوا مفاجأةً أخرى: أنَّ الأشخاصَ الأقلَّ انفعالًا همَ الذين اعتادُوا على الصَّفحِ والعفوِ عمّن أساءَ إليهم.
ووجدوا من خلالِ هذهِ الدِّراساتِ أنَّ المتسامحينَ همَ الأكثرُ إبداعًا والأكثرُ انتظامًا في ضرباتِ القلبِ، وأبعدُ عن أمراضِ ضغطِ الدمِ، والأقلُّ انفعالًا.
يقولُ العلماءُ: إنَّ نسيانَ موقفٍ مُزعجٍ يوفرُ عليك كثيرًا من المتاعبِ، ويُوفّرُ الوقتَ الذي تقضيه في التفكيرِ كيفيّةَ الانتقامِ. إذ إنَّ الانشغالَ بالتّفكيرِ في الانتقامِ يُسهِّلُ على عدوِّك الانتصارَ؛ لأنَّك حينها ستكونُ الخاسرَ.
وأخيرًا، فكلمةُ التَّسامُحِ قد تبدو كلمةً بسيطةً، مُكوَّنةً من عدّةِ حروفٍ، ولكن لا يكفي لاحتوائِها وتفسيرِها هذا المقالُ، بل قد نحتاجُ إلى كتابٍ كاملٍ لنُحيطَ معًا بمفهومِها الدينيِّ والاجتماعيِّ، وكذلك بمفهومِها في علمِ النَّفسِ والفلسفةِ، وأيضًا في العلومِ الطبيّةِ.
وفي العصرِ الذي نعيشُه اليوم، فإنَّ اختلاطَ المُجتمعاتِ بعضِها ببعضٍ، وتداخُلَ المصالحِ فيما بينها نتيجةً للثورةِ الهائلةِ في عالَمِ الاتّصالاتِ والمعلوماتِ، جعلَ من التسامحِ والاتصالِ والتعايشِ والحوارِ المفتوحِ مع الآخَرِ ضرورةً لا بُدَّ منها لتحقيقِ المصالحِ المشتركةِ بينَ المجتمعاتِ جميعِها.
