نوفمبر.. بين الذكريات والحياة ….مقال بقلم نوال احمد رمضان


حين يلتقي الفرحُ بالفقدِ، وتتصافحُ الذكرياتُ مع ما هو آتٍ، يُولد نوفمبرُ من جديدٍ.
نوفمبر ليس مجرّد شهرٍ في التقويم، بل هو حكاياتٌ محفورةٌ في الذاكرة، بين ولاداتٍ تُبهج القلبَ ورحيلٍ يُثقله بالشوق…
هو الشهر الذي يجمعُ بين راحتيه قطراتِ الندى ورياحًا هادئةً تعزفُ على أوتارِ الحنينِ.
في نوفمبر، كان ميلاد أختي التي كانت لي الحياة؛ فهي بعد الأمّ أمّ، وبعد الأخِ أخ.
كانت تحاوطني بعطرِ زهورها، وتدافعُ عني بأشواكها، وتظلّ حاضرةً في تفاصيلِ أيامي كظلٍّ لا يغيب.

وفيه أشرقت أمومتي، فقد أنار الدنيا ابني البِكر، أول فرحتي وامتدادي…
وفيه وُلدت ابنتي، آخر لؤلؤةٍ في عقد أبنائي، لتخبرني أن الحياة مهما أثقلتها رياحُ الفصولِ، تظل قادرةً على إنجابِ الفرحِ.
لكن نوفمبر أيضًا يخفي في الحنايا آهاتٍ ودموعًا… ففيه رحلت أمي نور عيني ونبض قلبي، معلمتي الأولى، أمني وأماني -رحمها الله-.
فصار نوفمبر موعدًا بين فرح اللقاء ووجع الفراق، يؤكد أن الحب لا يموت، بل يصادق الغيابَ، ويرافقنا بهدوءٍ حتى نغيب نحن أيضًا.
وليس صدفةً أن يحتضن نوفمبر اليوم العالمي للتسامح واليوم العالمي لحقوق الطفل واليوم العالمي للرجل — كأنه أراد أن يقول للعالم:
“تذكّروا دائمًا إنسانيتكم، واحملوا مسؤوليتكم؛ فالحياة أقصر من أن نحمل في قلوبنا كراهيةً لأحد.”
نوفمبر شهرٌ يعيد ترتيب المشاعر والأحاسيس، يدعونا لأن نغفر، وأن نبدأ من جديد، ونحتفي بمن بقوا، وندعو لمن رحلوا.
هو شهرٌ يعلّمنا أن وجود الحزن لا يناقض وجود الجمال، بل يكتمل به.
وفي ذاكرة العالم، كان نوفمبر شاهدًا على بداياتٍ ونهايات، على انتصاراتٍ وسلاماتٍ مؤجلة، على ولاداتٍ غيّرت وجه التاريخ، ورحيلٍ ترك بصمةً لا تُمحى.
إنه شهرٌ يحثّ الأرض أن تدور بهدوءٍ، وأن تغتسل بقطرات الندى قبل أن يغمرها مطرُ الشتاء.
فيا نوفمبر… يا شعاع الضوء والظل، يا مرآة القلب التي تحمل وجوه الذين أحببناهم،
شكرًا لأنك تذكّرنا دائمًا أن الحياة لا تُقاس بعدد الأيام، بل بما تتركه فينا من أثرٍ، فلكَ مني صادقُ الامتنانِ.
.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى