عهد الصمود ….بين استبطان النفس الإنسانية وإثارة القضايا القومية بقلم الشاعر/ السيد حسن


عهد الصمود ….بين استبطان النفس الإنسانية وإثارة القضايا القومية بقلم الشاعر/ السيد حسن

مضى عامان على انطلاق طوفان الأقصى، الذي أوقف العالم كله أمام ضميره، وهو يشهد صمود الطفل الفلسطيني والمرأة الفلسطينية والرجل الفلسطيني في مواجهة أقذر حروب الإبادة في التاريخ الإنساني الحديث، حين استغلت آلة الحرب البغيضة للكيان المحتل حراك المقاومة الفلسطينية لإحياء قضية شعب وأمة، لكي تمارس آلة الحرب هذه كل جرائم الحرب، مدعومة بغطاء غربي متآمر، وصمت عالمي مريب، لا يقطعه إلا صوت الضمائر الشعبية الحرة وهي تزلزل الميادين، معربة عن إدانتها المطلقة لهذه الممارسات اللاإنسانية التي تضرب عرض الحائط بكل القيم القانونية والأخلاقية والإنسانية، وتمارس أكثر فظائع التدمير لا للمساكن والمدارس والمساجد والكنائس والمستشفيات ومقرات الهيئات الدولية فحسب بل لكل القيم الرفيعة التي حاولت الإنسانية عبر تاريخها كله إرساءها، وحضت الأديان السماوية جميعها على إعلائها والدفاع عنها، بل والشهادة في سبيلها.
وكان من الطبيعي أن تفرز هذه الهجمة الاستعمارية الشرسة أعمالا أدبية تمجد الصمود الفلسطيني المدهش، والتشبث بالأرض والمبدأ والكرامة، في مواجهة كل محاولات التهجير والاقتلاع، ومن بين هذه الأعمال رواية “عهد الصمود” للأديبة الروائية المصرية “داليا العطار”
والكاتبة الروائية داليا العطار، صاحبة مشروع روائي خاص جدًا، يحاول أن يمزج ما بين استبطان النفس الإنساتية ومعرفة أسرارها ودقائقها من ناحية، وإثارة القضايا ذات الطبيعة الوطنية والقومية من ناحية أخرى، وهي في هذا وذاك تعقد علاقة صداقة شديدة الحساسية مع قارئها، بحيث إنك تستطيع أن تلمس بعض نفسها وطيف روحها في كل عملٍ تقرؤه لها دون أن يعني ذلك أنها تقدم سيرة ذاتية بالمعنى المفهوم، وإنما هي في الحقيقة تقدم لك انعكاس أضواء القضايا الإنسانية والوطنية والقومية على مرآة ذاتِها في أسلوب شديد الرهافة لا يُعنى بتعمق تقنيات الكتابة الروائية والشطط في تجديدها أو تعقيدها بقدر ما تُعنى بأن تمتلئ سرديتها الخاصة بحسٍ إنساني رهيف ومصداقية إنسانية مُطلقة.

تستطيع وأنت تقرأ لها أن تتعرف على رؤاها الفكرية وانحيازاتها الوطنية بيُسر وسهولة ودون عناء، لا سيما حين تجعل من طفولتها بطلا حاضرا في بعض أعمالها مثل: إطلالة من ماسبيرو، وتستطيع أن تتعرف على بعض آرائها الإنسانية في التعامل مع النفس الإنسانية وأسرارها ودهاليزها على نحو ما ترى في (حياة نور)، وتستطيع أن تتعرف على موقفها من المشاعر الإنسانية الخاصة جدا على نحو ما تفعل في رواية (كشف حساب)، أما في الرواية التي بين أيدينا فإنك تستطيع أن تتوقف أمام مبادئها القومية الساطعة التي لا تقبل المساومة أو المهادنة، لكنها لا تفعل ذلك على سبيل الخَطَابة والهتاف، وإنما هي تُجلي ما تحمل القضية العربية من بُعد إنساني عميق، وما يحمله أشقاؤنا من إيمان عميق بحقوقهم المشروعة وما أخذوا على أنفسهم من مواثيق لاستمرار التماسك والصمود والتمسك بالأرض والهوية.
وإذا كانت في إطلالة من ماسبيرو قد دخلت إلى القضية الوطنية وانتصارات أكتوبر عبر بوابة الأسرة المصرية البسيطة ابنة الحارة المصرية، فإنها تدخل هنا للقضية العربية عبر العلاقة الخاصة جدا بين عهد وجدتها والأرض.
ومن طريف ما تفعله داليا العطار، أنها تغزل أسماء شخصيات رواياتها لتصوغ منها اسماً لكل رواية منها، فحياة ونور شخصيتا أولى رواياتها يصنعان معا (حياة نور)، وفي عهد الصمود تلعب اللعبة الفنية ذاتها بطريقة بالغة الطرافة والجمال والبهاء، وهو ليس لونا من التماهي الشكلي أو الأكروبات اللغوي بقدر ما هو نفاذ إلى جوهر عملها الروائي، ومحاولة لربط الاسم بالمُسمى، والعنوان بالمعنون.

تحية للكاتبة الروائية داليا العطار وهي تستكمل مشروعها الروائي، الذي يزداد تعمُقا فيما هو فني عملا بعد آخر دون أن يضحي بما هو إنساني بالغ الشفافية والرهافة والمصداقية والأصالة.



