الجفاء الإنساني… حين يُصبح البُعد مسافة في الزمان…. مقال بقلم منى الشوربجى

في قلب كل علاقة إنسانية، خيط غير مرئي يشد الأرواح نحو بعضها البعض. خيط يبدو هشًّا، لكنه متين بمنطق الروح، ومتى تمزّق، لا يُصلَح بالكلمات فقط، بل بالنية، بالشوق، وبالاقتراب من جديد. لكنّ العالم تغيّر، أو نحن من تغيّرنا. أصبحت المسافات بين الأحبة لا تُقاس بالأمتار، بل بالسنوات الضائعة، بالصمت الطويل، بالمكابرة.
كم من قريب لم نعد نعرف ملامحه؟ كم من صديق ضاع خلف زحمة الحياة؟ كم من زوجين افترقا عاطفيًا قبل أن يفترقا جسديًا، وكلما طال البُعد، صار اللقاء أصعب، وكأن الزمن قرر أن يتحالف مع المسافة ليُزيدها قسوة؟
الجفاء ليس فقط غياب الجسد، بل هو غياب السؤال، غياب النظرة، غياب الحنين.
الإنسان لا يتحوّل إلى غريب بين يوم وليلة، بل بالبطء المؤلم لسنوات من التجاهل. في البدء، يُبرر الغياب، ثم يُؤجّل السؤال، ثم يُنكر الاشتياق، حتى يجد نفسه واقفًا أمام من كان يومًا نصفه الآخر… غريبًا تمامًا.
إن البعد المكاني، حين لا يُروى بالاهتمام، يُصبح بعدًا زمنيًا. الناس لا تختفي فقط من أعيننا، بل من ذاكرتنا ومن قلوبنا، إلا من أبقى السؤال حيًّا، ومن ترك للود نافذة صغيرة يدخل منها النور كلما أغلقت الظروف الأبواب. هؤلاء فقط… من تبقى علاقتهم صادقة رغم البُعد، لأنهم تواصلوا بوسائل الروح.
العلاقات لا تدوم صدفة، ولا تنهار فجأة. إنها تحتاج إلى دفء السؤال، وإلى أن نكسر حواجز الصمت قبل أن تتحوّل إلى حوائط إسمنتية. نحتاج إلى أن نقول “اشتقت”، قبل أن نحتاج إلى أن نشرح من نكون لبعضنا. فكلما طال الغياب دون حنين، أصبح اللقاء محاولة فاشلة للعودة إلى ما لم يعد موجودًا.

أيّها الإنسان، لا تسمح للجفاء أن ينبت في قلب علاقتك، لا تجعل البعد المكاني يتحول إلى فجوة زمنية. وإن أحببت، فاسأل، وإن اشتقت، فاقترب، فالقلوب التي لا يُطرق بابها… تنسى أصحابها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى