“الحياة الحزبية في مصر.. أزمة بلا أفق”مقال بقلم: أشرف الجبالي


“الحياة الحزبية في مصر.. أزمة بلا أفق”
مقال بقلم: أشرف الجبالي

رغم مرور أكثر من قرن على نشأة الأحزاب السياسية في مصر، ما زالت الحياة الحزبية تراوح مكانها، وكأنها تدور في دائرة مغلقة منذ بدايتها. فمنذ بدايات القرن العشرين وحتى اليوم، لم تتمكن الأحزاب من التحول إلى قوة جماهيرية حقيقية تعبر عن مصالح الناس أو تنافس على السلطة بجدية، بل ظلت أشبه بكيانات ورقية تتنفس في هواء معقم بعيد عن نبض الشارع.
بعد ثورة يوليو 1952، أُلغيت الأحزاب تمامًا، ثم عادت في عهد الرئيس السادات عام 1976، لكنها عودة شكلية؛ فالنظام السياسي ظل هو الممسك بخيوط اللعبة. وحتى في فترة الانفتاح السياسي النسبي بين 2005 و2011، ظل التأثير الحزبي محدودًا، ولم يظهر حزب واحد استطاع أن يقود الجماهير أو يشكل قوة ضغط حقيقية.
جاءت ثورة يناير 2011 لتفتح الباب على مصراعيه لتأسيس الأحزاب، فإذا بنا أمام أكثر من مائة حزب، أغلبها لا يتجاوز كونها “دكاكين سياسية” أو مقرات مغلقة، منشغلة بعضوية النخبة واستقطاب الشخصيات العامة ورجال الأعمال، بل ووصل الأمر إلى تقديم رشاوى انتخابية في صورة سلع غذائية، في مشهد يبتعد كل البعد عن العمل السياسي الرشيد.
الحقيقة المؤلمة أن غياب الحياة الحزبية في مصر ليس صدفة، بل هو نتاج تراكمات تاريخية. فأسرة محمد علي لم تؤمن يومًا بفكرة تداول السلطة، وأنشأت مؤسسات شكلية لتقديم المشورة للحاكم لا لمشاركته الحكم. ثم جاء عهد عبد الناصر ليغلق الباب أمام الأحزاب ربع قرن كامل، وفي عهدي السادات ومبارك كانت الأحزاب تتحرك في الهامش المسموح لها به. أما اليوم، فالوضع لا يختلف كثيرًا، إذ تعمل معظم الأحزاب كأذرع مساندة للنظام لا كقوى منافسة له.
إن بناء حياة حزبية حقيقية في مصر يتطلب أكثر من مجرد تراخيص رسمية ومقرات لامعة. الأمر يبدأ من التربية والتعليم، حيث يجب أن تصبح مفاهيم الديمقراطية، والحريات، وحق النقد، والمشاركة السياسية جزءًا من تكوين المواطن منذ الصغر. حزب لا يسعى للوصول إلى السلطة عبر إقناع الجماهير ببرنامجه ليس حزبًا، بل جمعية خيرية أو مكتب خدمات.
حتى يتحقق ذلك، ستظل الحياة الحزبية في مصر أشبه بمسرحية طويلة بلا جمهور، وبلا بطل، وبلا نهاية قريبة.
