ثَلاثَ عَشرَةَ خُطوَةً …بقلم: نائب رئيس اتحاد كتاب مصر الإعلامي و الشاعر و الناقد القدير السيد حسن

كَعَادَتِهَا كُلَّ صَبَاحٍ، تَفتَرِشُ الأَرضَ فِي قَلبِ السُّوقِ تَمَامَاً، سُمرَتُهَا المُحَبَّبَةُ تَأسِرُ عَينَيهِ ذَهَابَاً وَإِيَابَاً، مَلامِحُهَا تُوحِي بِأَنَّهَا فِي مُنتَصَفِ العَقدِ الثَّالِثِ،  تَحمِلُ كَثِيرَاً مِنَ أَمَارَاتِ البَرَاءَةِ، قَدرَ مَا تَحمِلُ مِن عَذَابَاتِ السِّنِينَ، خَجَلٌ غَرِيبٌ يُطِلُّ مِن عَينَيهَا، وَسِرُّ غَرَابَتِهِ أَنَّهُ خَجَلٌ مَشُوبٌ بِجُرأَةٍ خَفِيَّةٍ، لا تُعلِنُ عَن نَفسِهَا صَرَاحَةً، إِلا حِينَ يَرتَفِعُ صَوتُهَا مُنَادِيَةً: 

“الَّليمُون البَلَدِي”، أَو “الفَطِير المشَلتِت”، أَو “فَلاحِي يَا جَبنَة”.

نَعَم .. فَهِيَ لا تَبِيعُ شَيئَاً مُحَدَّدَاً، وَإِنَّمَا تَبِيعُ مَا تَيَسَّرَ لَهَا، وَمَا تَجُودُ بِهِ ظُرُوفُ السُّوقِ، وَرُبَّمَا مَا يُوصِيهَا بِهِ زَبَائِنُهَا.

يَرتَفِعُ الصَّوتُ تَمَامَاً حِينَ يَكُونُ بَينَهَا وَبَينَهُ خُطُوَاتٌ ثَلاثٌ، وَيَظَلُّ النِّدَاءُ مُتَوَالِيَاً حَتَّى يُغَادِرُهَا بِعَشرِ خُطُوَاتٍ، وَهِيَ لا تَقُولُ كَلامَاً يَحتَمِلُ أَيَّ لَونٍ مِن أَلوَانِ الغَزَلِ أَو المُدَاعَبَةِ أَو الغَوَايَة، لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَشعُرُ بِأَنَّ نَبرَتَهَا وَنَظرَتَهَا تَنصِبَانِ لَهُ فَخَّاً أُنثَوِيَّاً خِطِرَاً مُحَبَّبَاً مُشَوِّقَاً.

تَعَمَّدَ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً أَن يَقِفَ بَعِيدَاً بِحَيثُ لا تَرَاهُ، لِيَرَى إِن كَانَتْ سَتَرفَعُ صَوتَهَا بِالنِّدَاءِ أَم لا.

لَم تُفَاجِئهُ النَّتِيجَةُ، لَقَد كَانَت تَجلِسُ صَامِتَةً، فَبِضَاعَتُهَا تُنبِىءُ عَن نَفسِهَا، وَالزَّبَائِنُ يَمُرُّونَ بِهَا جِيئَةً وَذَهَابَاً، يَرَونَ مَا تَعرِضُ، وَيُقبِلُ بَعضُهُم عَلَى الشِّرَاءِ وَيُعرِضُ البَعضُ الآَخَرُ، وَهِيَ تَتَبَادَلُ مَعَهُم حَدِيثَاً هَادِئَاً يُوشِكُ أَن يَكُونَ غَيرَ مَسمُوعٍ، رُبَّمَا تَمزِجُهُ أَحيَانَاً بِابتِسَامَة شَاحِبَةٍ، لَيسَ لَهَا غَايةٌ إِلا أَن تُسَوِّقَ مَا لَدَيهَا مِن بِضَاعَةٍ.

ثُمَّ إِذَا مَا ظَهَرَ هُوَ، وَأَوشَكَ أَن يَخطُوَ الخُطوَةَ الثَّالِثَةَ قَبلَ الوصُولِ إِلَيهَا، ارتَفَعَ الصَّوتُ مُمتِزِجَاً بِتِلكَ الرَّنَّةِ الأُنثَوِيَّةِ العَذبَةِ، الَّتِي تُشبِهُ فِي عُذُوبَتِهَا هَذِهِ السُّمرَةَ الآَسِرَةَ فِي بَشرَتِهَا، يَرتَفِعُ الصَّوتُ مَشفُوعَاً بِالنَّظرَةِ الَّتِي تَحُفُّ مَوكِبَهُ حَتَّى المَغَادَرَةِ بِخُطُوَاتٍ عَشرٍ، نَعَم يَشعُرُ بِأَنَّهُ فِي مَوكِبٍ خَاصٍّ تَحتَ أَضوَاءِ نَظرَةٍ وَحِيدَةٍ طَويِلَةٍ مُمتَدَّةٍ، لا تَتَحَوَّلُ عَينَاهَا فِيهَا عَن عَينَيهِ، وَهُوَ الَّذِي يُبَاعِدُ عَينَيهِ خَجَلاً أَو ارتِبَاكَاً.

فِي أَكثَرَ مِن مَرَّةٍ، كَانَ يَرَاهَا مُنشَغِلَةً بِبَعضِ الزَّبَائِنِ الَّذِينَ يُسَاوِمُونَهَا عَلَى مَا تَبِيعُ، فَيَحسَبُ أَنَّهَا سَتَنشَغِلُ عَنهُ بِمَا هِيَ مُستَغرِقَةٌ فِيهِ، لَكِنَّهُ مِا إِن يَصِل إِلَى خُطوَتِهِ الثَّالِثَةِ قُبَيلَ الوصُولِ إِلَيهَا، حَتَّى تَقطَعُ مَا هِيَ فِيهِ، لِيَنطَلِقَ صَوتُهَا بِالنِّدَاءِ، وَسطَ دَهشَةِ مَن يُحَادِثُهَا، وَدُونَ اكتِرَاثٍ بِمَن يُتَابِعُونَ نَظرَتَهَا الطَّوِيلَةَ المُمتَدَّةَ الَّتِي تَحُفُّ المَوكِبَ!!

اليَومَ يَرَى جَمعَاً يَلتَفُّ حَولَهَا، وَيَسمَعُ كَلِمَاتٍ مِن قَبِيلِ “كُولُونيَا”، “بَصَل”، “مَاءٌ بَارِد”، وَيَرَى أَشخَاصَاً يُهَروِلُونَ فِي مُحَاوَلَةٍ لِجَلبِ مَا تَستَفِيقُ بِهِ، فَيُسَاوِرُهُ قَلَقٌ كَبِيرٌ عَلَيهَا، يَتَذَكَّرُ الآَنَ أَنَّهُ لَم يُبَادِلهَا كَلِمَةً وَاحِدَةً، عَلَى الرَّغمِ مِن أَنَّهُ صَارَ مُتَيَقِّنَاً مِن أَنَّهَا تَخُصُّهُ هُوَ بِهَذَا النِّدَاءِ وَهَذِهِ الحَفَاوَةِ وَهَذَا الاهتِمَامِ. 

يَدفَعُهُ قَلَقُهُ الكَِبيرُ عَلَيهَا إِلَى أَن يُسرِعَ الخُطَى أَكثَرَ وَأَكثَرَ، وَمَا إِن يَقتَرِب مِن هَذَا الجَمعِ بِمَا لا يَزِيدُ عَن خُطُوَاتٍ ثَلاثٍ، حَتَّى يَنطَلِقَ الصَّوتُ وَاهِنَاً مُرتَعِشَاً:

“يَا دَوا التَّعبَانِ يَا نَعنَاع”!!!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى