الشعراء الجدد ورجل الشارع (٣): رسالة الشعر والخروج على أعراف القطيع …. مقال بقلم د. آمنة الهجرسي

      يحضرني وأنا أكتب هذا المقال شخصية ” بياتريس بريور ” في فيلم  Divergent حيث كانت تعيش في مدينة شيكاغو المدمرة بسبب فساد البشر .. وجدت ” بياتريس ” نفسها مجبرة على الاختيار بين أربع فصائل أو تجمعات أو كما أحب أن أسميها ” قطعان ” ، هذه الفصائل تمثل سمات البشر أو الفضائل البشريةولكن كل منها منعزل عن الآخر أي أن الشجعان لا يمكن لهم أن يكونوا أدباء أو منكرين للذات أو صادقين في نفس الوقت، والقانون وفقا لأحداث الفيلم يجرم من يستعصي عليه الانتماء لسمة واحدة ويقتله …. كانت بياتريس بطلة الفيلم مستعصية على الانتماء لفصيلة بعينها وإنما انتمت مع كل موقف من مواقف الفيلم  لإحدى الفصائل ، حذرها أكثر من شخص بمن فيهم والديْها وقضيا وهما يدافعان عنها ولكنها كانت تصر على موقف واحد وهو أنها كتلة من المشاعر البشرية والاستجابات التي يجب بل ومن البديهي جدا أن تتناسب مع كل موقف بطريقة مختلفة … تعرضت بياتريس للملاحقة بهدف التصفية لأن سياسة ” قطعان ” شيكاغو لا تستوعب معنى الآدمية الحقيقة ولأن المسؤولة عن المدينة تكره الخارجين على آرائها بغض النظر عن صوابها أو منطقيتها … أحداث الفيلم شبه الداميةتعكس مدى اصرار البشر على الأعراف والمبادىء المتوارثة بل وإجبار الجميع على اتباعها بغض النظر عن صحتها من عدمه وكره القطعان لكل ماهو جديد أو متغير .. انتهت أحداث الفيلم – وهو أكثر من جزء- بانتصار ” بياتريس ” والقلة التي ساندتها وانهارت المنظومة المزيفة ووجدت بياتريس نفسها بطلة اختبار بشري من خارج أسوار المدينة الفاسدة للتأكيد على مرونة الإنسان وقابليته للتعايش والتغيير والتجدد .. 

  في عالمنا هذا يعاني كل ذي وعي ورؤية متّسعة من مطاردات القطعان واعتراضها الشديد على قابليته للتغير والتطور وإطلاق علامات الاستفهام بهدف التصحيح ، التجديد والتطور ؛ فرؤية القطيع مبرمجة على فكرة القبول بالمتعارف عليه وعدم الخروج على حدوده مهما تقدمنا عبر الحيز الزماني واتسع وجودنا وكبرت مستعمراتنا الأرضية ، إنه الجمود في أقبح صوره وإنها للعنة –في رأيي المتواضع – أن يجد أحدهم نفسه شاعرا في هذا العصر لأنه سيضطر لمواجهة ما هو أسوأ مما واجهته بياتريس في مدينة شيكاغو الفاسدة ، سيتحول إلى غريب سائر بين آلاف من الرؤس الفارغة الميتة ، ومنبوذ يعاني من الإقصاء والقمع في أحيان كثيرة ، وأحمق يتحدث بلوغاريتمات غير واقعية كما يرى الحمقى الحقيقيون في مجتمعه وسينعزل كنسر كسير وحيد في صومعة اليأس خارج أسوار مدينة القطعان يسطر على جدران صومعته قصائده علّالزمن يجود عليه بمن يعي ويطلب الرشاد ..

  رغم كل ما قيل فيما وجد شعراء التفعيلة أنفسهم في مفترق الطرق فإما الاكتفاء بما أحدثوه من تجديد على مستوى الشكل والموسيقى ، ومن ثمّ اجترار ذات المواضيع وبخاصة الرومانسية منها أو إكمال طريق التجديد شرط الوقوف أعلى شجرة الشعر وعدم الانقطاع عن استقبال الغذاء من جذورها العميقة الضاربة في عمق التاريخ الأدبي بأقصى ما لديها ، في عالم تنفتح أجزاؤه بالكامل على بعضها البعض وجد الشعراء الجدد أنفسهم أمام الكثير من الأمثلة والنماذج والفلسفات الصالحة للتبني بل والالتزام بها أيضا لأنهم يؤمنون تمام الإيمان بأهمية أن يكون للشعر رسالة وهدف وغاية ، كانوا ولا يزال الكثيرون منهم يصرون على هذه الفكرة ويلحون على تأكيدها في قصائدهم وأعمالهم الشعرية لكنهم لم يسلموا من سكاكين ومشارط النقد اللاذع الذي كان وليدا ولا يتناسب مع ما أحدثوه وقتها من تغيير كبير في شكل ومضامين القصيدة العربية ..

  حمل صلاح عبد الصبور راية الشعر وآمن برسالته بل وبضرورة وجود هذه الرسالة والالتزام بها وعبر عن ذلك في كل أعماله الشعرية والمسرحية والنثرية . والأخيرة كانت بمثابة الكتابات التي توضح وتشرح وتزيل الالتباس ؛ فلم يكن صلاح من الشعراء المنكفئين على ذواتهم والغارقين في رومانسيتهم المفرطة بل كان يؤمن بضرورة تحويل الأفكار إلى سلوك ونهج حياتي وعليه يجب على الشعر أن يتبنى هذه الرؤية والالتزام بها فنجد دواوينه تتبنى قضايا الإنسان وتعرض لأحواله وما يعتريه من ضياع في عصر متسارع الخطى متغير الفلسفات والأحداث ، كان التغني بالإنسان وللإنسان هو نهاية ما وصل إليه صلاح عبد الصبور.

      وكثيرا ما كان يشير صلاح عبد الصبور إلى وظيفة الشاعر كحامل راية التنوير لمجتمعه ومسرحياته تشهد على هذه الفكرة وتؤكد عليها فقد كانت ساحة لمناقشة قضايا الحرية والظلم والاستعباد والاستقلال واضطهاد الأحرار وغير ذلك ، وكان على حامل الراية – لأنه يقف في المقدمة – أن يجعل سلاحه دائما على أهبة الاستعداد ، فليلق إذن بكلماته ثم يموت تماما كما فعل مع الحلاج الذي ألقى بكلماته ثم واجه مصيره المحتوم ، رؤية عبد الصبور هذه تذكرني بفراشات الضوء التي تحترق لتضيىء للآخرين ، يقول عبد الصبور : ” ليس الحلاج عندي صوفيا فحسب ، ولكنه شاعر أيضا ، والتجربة الصوفية والتجربة الفنية تنبعان من منبع واحد وتلتقيان عند نفس الغاية ، وهي العودة بالكون إلى صفائه وانسجامه بعد أن يخوض غمار التجربة ..”

     لقد آمن عبد الصبور بخطورة الكلمة وأمانة حملها وابتعد عن كل القوالب القديمة التي لا تخدم مجتمعه وكذلك فعل أمل دنقل الذي عاش حياته بكاملها رافعا راية الشعر ونبوءات الشاعر المتبصروكان رافضا لكل ما هو زائف ، لم يتاجر أمل دنقل بأشعاره مطلقا وإنما كانت غايته نشر الوعي والتنبيه ، كانت قصائده الواقعية تحمل صدقا ورغبة حقيقية في أن يعيش إنسان مجتمعه حياة كريمة شريفة بعزة وكرامة وكلفه ذلك الكثير شأنه شأن كل متمرد على أعراف القطيع وكان يقول : ” الشاعر في العالم العربي وفي ظل الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية السائدة مطالب بدورين : دور فني أن يكون شاعرا ودور وطني أن يكون موظفا لخدمة القضية الوطنية وخدمة التقدم ، ليس عن طريق الشعارات السياسية وليس عن طريق الصياح والصراخ وإنما عن طريق كشف تراث هذه الأمة وإيقاظ إحساسها بالاتنماء وتعميق أواصر الوحدة بين أقطارها ، على الشاعر أن يلعب دور الشاعر والمفكر أيضا  ..” ( حوارات أمل دنقل ص35)

     فهو يؤمن بفكرة الخروج عن القوالب الفكرية المفروضة ويصر على أن يكتب الشاعر ما يشعر به بحرية وبهدف الارتقاء بمجتمعهوالتعبير عن قضاياه شرط أن لا يخرج الشاعر عن المستلزمات الفنية التي لا يكون الشعر بدونها شعرا… ولقد كانت قصائد أمل دنقل وما أشهرها مثالا حيا على تمرده على القوالب المفروضة ورفضا قاطعا لكل أشكال الكذب والزيف والحزن على ما آل إليه حال الناس في مجتمعه.. قضى أمل دنقل ولم يطبع له ديوان شعرولم يحصل على التقدير اللائق في حياته وهذه هي ضريبة الخروج على أعراف القطيع..

يتبع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى