“ارتجافة المبدع القلقة وبصمته المرتجفة ” ….قراءة في مجموعة ” بصمات مرتجفة” للقاص نايف مهدي بقلم الشاعر السيد حسن – نائب رئيس اتحاد كتاب مصر و المدير العام السابق للبرامج الثقافية بالإذاعة المصرية


“ارتجافة المبدع القلقة وبصمته المرتجفة ” ….قراءة في مجموعة ” بصمات مرتجفة” للقاص نايف مهدي بقلم الشاعر السيد حسن – نائب رئيس اتحاد كتاب مصر و المدير العام السابق للبرامج الثقافية بالإذاعة المصرية

تظل القصة القصيرة في رؤيتي أقرب إلى القصيدة منها إلى الرواية، هكذا أعتقد دائما منطلقا من جنوح القصيدة والقصة معا إلى التكثيف والاقتصاد اللغوي، وترك تلك الفجوات في النص، لكي يملأها القارىء، مستهديا بما أثبته الكاتب في كلتيهما، فالقصيدة تقول أجمل ما تقول من خلال ما لم تقله، وكذلك القصة القصيرة المتميزة، بينما الرواية هي فن التفاصيل الدقيقة، والوصف المسهب، والحوار الكاشف، والشخصيات المتصارعة، وإذا كان الاقتراب من القصيدة يصدق على القصة القصيرة بصفة عامة، فإنه يصدق بصورة أكبر وأسطع على القصة القصيرة جدا.
كان هذا المعنى حاضرا في ذهني وأنا أطالع المجموعة القصصية “بصمات مرتجفة” التي قدمها الكاتب العربي نايف مهدي، والتي احتوت على عشرات من القصص القصيرة جدا، التي سوف يحلو للبعض أن يسمي بعضها “قصة الومضة”، وسيذهب آخرون إلى اعتبار بعضا منها ينتمي إلى “قصة التوقيع”، وهي في كل الأحوال تقدم نماذج متميزة لفن القصة القصيرة جدا.
فما الذي يمكن أن نجده في هذه المجموعة من سمات؟
أولى السمات التي سوف تقابلنا قدرة الكاتب على ما يسميه النقاد “أنسنة الأشياء”، بحيث يتعامل مع الشىء باعتباره إنسانا كامل الإنسانية، يرى ويسمع ويحس ويبادل الحب بالحب، والوحشة بالوحشة، يقول في قصة عنوانها ” مُعايَشة”: قالت النارُ للحدَّاد: لولاي، لما صهرتَ حديدَك. فأجابها بغمٍّ: لولاكِ، لما فقدتُ ولديّ!”.
وكذلك في قصة “انزياح”، التي يقول فيها:
“اصطكَّــت ملعقــة فــوق طاولــة فاخــرة؛ فتجــاوب البــؤس في ناحيــة قصيــة!”.
وفي المقابل فإنه يمارس ما يمكن أن نسميه “تشييء الإنسان”، بحيث يتحول الإنسان إلى شىء، مجرد شىء، بلا مشاعر ولا إرادة ولا قدرة، وذلك على نحو ما يمكن أن نراه في قصة مثل “رَحًى”، التي يقول فيها:
“عــرضَ طفلتــه للبيــع لسـدِّ جــوعِ البقيــة، اشـتـرط أن يكــون مقتنيهـا واسـعَ الثـراء، لكنهـم تحاقـروا بضاعتـه. كانـت الدكاكـين تفيـض بالأجسـاد الصغـيرة، والـكل يقلِّـب كفيـه. عنـد الغـروب، عـاد كالًحـا بينـما شرعـت الطفلـة تنتـف شـعرات رأسـها وتدسـها في جيوبــه”.
ثانية هذه السمات، أن الكاتب يدرك جيدا أهمية العنونة، والدور المركزي الذي يلعبه العنوان في بناء القصة القصيرة جدا، بحيث إن غيابه أو تغييره يستدعي بالضرورة هدم بناء القصة أو تغيير دلالتها، وذلك على نحو ما نرى في قصص مثل: “دعاة”، “توطؤ”، وغيرها.
ومادمنا نتحدث عن العنونة، فدعونا نتوقف قليلا أمام عنوان المجموعة كلها،”بصمات مرتجفة”، صحيح أن المجموعة أخذت هذا العنوان من إحدى القصص الواردة فيها، إلا أن ما استوقفني في العنوان أبعد من هذا بكثير، لأني رأيت ارتباطا وثيقا بين العنوان وجوهر الإبداع وغاية المبدعين، حيث أظن أن الغاية العليا لأي كاتب أن يعثر على نبرته الخاصة أو صوته الخاص أو بصمته الخاصة، التي تميزه عمن سواه، وتميز إبداعه عما سواه، وأن المبدع الذي يفلح في العثور على هذه البصمة يكون قد حاز نجاحا كبيرا، وأحرز مكانة مميزة في الفرع الإبداعي الذي يكتب فيه.
ثم إن وصف هذه البصمات بالارتجاف تذهب بنا إلى جوهر الإبداع الحقيقي، وحال المبدع المبدع، فالمبدع لا يمكن إلا أن يتسم بذلك القلق النبيل أو ذلك الألم المجيد أو ذلك الارتجاف الخلاق، والمبدع الذي يستنيم إلى الدعة والاطمئنان المستكين من الصعب أن يقدم إبداعا مدهشا.
وعلى هذا فقد أحالني عنوان المجموعة إلى حال المبدع وإلى غايته التي يتغياها، وطموحه الذي يسعى للوصول إليه، فهو في قلق إبداعي مرتجف، أو في رجفة إبداعية قلقة، وهو يسعى إلى أن يمتلك نبرة أو أن يترك بصمة تميزه عن كل من سواه.
أما ثالثة السمات التي تقابلنا في هذه المجموعة القصصية “بصمات مرتجفة” فإنها تتمثل في وعي الكاتب بأن النهاية المفارقة أو الكاسرة لأفق التوقع تعد مكونا أًصيلا من مكونات القصة القصيرة جدا، شأنها في ذلك شأن العنوان، فلكل منهما حضور كبير، وأثر قوي في بناء القصة القصيرة جدا، وفي دلالتها، وفي إحكامها الفني، وذلك على نحو ما نجد في قصص مثل: “تورية”، وغيرها.
وأما رابعة السمات التي تميزت بها هذه المجموعة، أن القاص يبلغ أعلى درجات دفئه الإنساني حين تقبس قصته من أجواء العائلة: أما أو أبا أو أختا أو أخا، وذلك على نحو ما نرى في قصص مثل: “أم”، “ظمأ”، بصمات مرتجفة”،
ففي هذه القصص، وفي غيرها يقترب الكاتب من أجواء الأسرة فيمنح قصته شحنة عاطفية مميزة، ودفئا إنسانيا مختلفا.

وقد استوقفتني قصته التي تحمل عنوان: ” ظمأ”، والتي اختزل فيها التحول الزمني الفادح عبر كوب الماء الوردي الفقير الذي يتنازعه الطفل مع شقيقته، ويتدخل الأب ليقسم بينهما الري، حسوة هنا وحسوة هناك، أو شربة هنا، وشربة هناك، والكوب قادر على أن يملأ وجدان الطفلين بالري العاطفي قبل الري المائي، وحين تدور الأيام دورتها، ويغيب الأب من المشهد، وتمتلىء الخزانة بمئات الأكواب الثمينة، فإن الظمأ هو الذي يطل على الطفلين اللذين صارا شابين، ومن أين يأتيهما الري، وقد غاب الأب، وغاب الشغف، وأطل الثراء القاحل والترف اللاخصيب؟
يقول فيها: “ظللـتُ أتنــازعُ مــع أختــي الصغــرى عــى كأس ورديــة إذا مــا أردنــا الارتــواء، يفصــل أبي بيننــا بــأنَّ لــكل واحـدٍ منــا حســوةً حتــى ينضــب الــكأس، انقطــع دبيــب أبي مــن البيــت؛ احتشــدت خزائننـا بـأواني الـرب الملونـة، وبقيـت الكـؤوس تخـزن في قعرهـا العطـشَ”.
والسمة الخامسة أن الكاتب في بعض الأحيان يلجأ إلى الاستنارة بالنص القرآني أو الاستهداء به، ولا أقول التناص معه، وذلك على نحو مفارق لا مطابق، كما يفعل في قصة “مدخل”، التي يقول فيها:
“تفاخـرَتْ بحُسـنِ زوجهـا اليوسـفي، وبعُـودِه المسـبوك ونظراتـه القتَّالـة، اقتـادت أوفىًّ خليلاًّتهـا للمنـزل، أعـدَّتْ لهـا مُتـكأً، جعلَتْ بــين يديهــا تفاحًــا وســكينًا، أمــرَتْ زوجهــا بالخــروج عليهــا، قضمـتِ الضيفـةُ الثمـرةَ وهـي تَهـزُّ رأسـها. صبيحـة اليـوم التـالي، اسـتيقظت الزوجـة وحيـدةً في سريرهـا، وفي أثنـاء مـا كانـت تمُشِّـط شــعرها وجــدت ورقـ ةً مطويــة عــى التريحــة، شَرعَتْهــا: لسـتِ بزليخـة ولا أنـا بيوسـف! كمَّمهـا الَهـول، ضربَـتْ رقـمَ صديقتهـا؛ جاوبتْهـا صفـارةُ الحظـرِ المتقطعـةُ”.
والكاتب يلعب لعبة فنية تدل على مهارة كبيرة، من خلال تداخل الأماكن وخلخلة الأزمنة، بحيث يمكن لسطور قليلة جدا أن تنتقل بنا من مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان، عبر إيحاءات وإيماءات وإشارات موغلة في الاقتصاد والكثافة وأحيانا التجريد، وذلك على نحو ما نرى في القصة التي تحمل المجموعة عنوانها، قصة “بصمات مرتجفةوالتي يقول فيها:
“عانقتنــي ابنتــي بعدمــا خرجَـتْ مــن بــاب الروضــة، انفلتَـتْ مـن يـدي لتسـقي شـتلةَ صفصافـة عـى الرصيـف مـن زمزميتهـا.. تمُـادت بي الأحـلاًّم، قفـزتُ فـوق الأيـام؛ أطـوّقُ كفَّهـا لتوقيـع عقد زفافهـا، أرفـعُ الشـيلة البيضـاء الُمخرَّمـة عن وجههـا الزاهـي وأطبع قبلتـي المبتلـة عـى جبينها.. تشـظى الزمـنُ باكـرًا؛ أضعتهـا؛ بصماتُ أصابعهـا ترتجـف في جسـدي وتنادينـي. أصبـح للصفصافـة جـذعٌ ضخــم، بينـما بقــي طيـفُ طفلتــي الصغـير يســقي جذورهــا كل يـوم”.
وبعد، فإن هذه المجموعة القصصية تنبىء عن كاتب قصة قصيرة جدا، يمتلك من الوعي بجوهر القصة، وتقنيات كتابتها، ما يجعلنا نؤمل منه الخير الكثير.



