ذاكرة القلب …. قصة قصيرة بقلم نجوى عبد الجواد

ولما تعب من البحث عنها جلس بجوار الترعة مادا قدميه في مياهها، لم يكتفِ ببيوت العائلة و الجيران، أخذ يسأل هنا وهناك حتى قادته قدماه لهذا المكان. لا يدري سر نظراتهم ولا رغبتهم في توصيله لبيته كما يقولون. هل يشفقون عليه أم يسخرون منه؟! تفلح المياه في تبريد قدمية، لكن قلبه مازال مشتعلا. يد حانية تربت على كتفه، يرفع وجهه لا يتذكر أين رأي وجه هذا الرجل ، ولا هذا الشاب الذي يقف بجواره أيضا.

تعالي معانا.

ينزع يده منهما.

متخفش، يشعر بالراحة، متخفش احنا نعرف مكانها. ينظر إليهما، لايدريان أيستفهم أم يستنكر؟! لكنهما أفلحا في إقناعه بالذهاب معهما.

أهل هذا البيت طيبون، الرجل الطيب وابنه يحضران له ملابس نظيفة ويساعدانه في ارتدائها، لايدري لِمَ لم يمانع! هذه المرأة الحنون تضع

في فمه الطعام،

كأنه تذوق مثله من قبل، يأكل بشهية، كيف تفعل هذا، إنها تضع اللقمة في فمه وزوجها لا يغضب! هذه الابتسامة تذكِّره بها، يترك الطعام ويقوم، يدور في المنزل، يبحث في الحجرات، يجهش بالبكاء: رحتي فين وسبتيني، فينك يا مفيدة ، رحتي فين ومشيتي ليه؟!

تبكي لبكائه وتربت على كتفه، هذه السيدة الطيبة تشبه حبيبته ، ينادونها سناء ، وهذا أيضا يشبهها، ينظر للرجل الذى يناديه الشاب بابا . كوب الليمون يقربه منه الشاب الصغير، بضع رشفات تقطعها رنات هاتفه الصغير، ألو مين؟

أنا مفيدة يا عثمان.

بصوته المخنوق يصيح :مفيدة، أنتِ فين؟ سبتيني ليه؟ تعالي قوام اشتقت لك.

يندهش الرجل والشاب من الحوار،

الصوت المخنوق عبر الهاتف يتماسك :أنا مش راجعه تاني يا عثمان، أنت رجل وحش وبخيل وغلبتني وبقيت عيان وأنا خلاص مش هرجع تاني،

وحش وبخيل؟ يحاول التذكر يتحرك هنا وهناك، لايدري هل كان بخيلا أم لا، لايدري هل يملك مالا أم لا؟ يغالب ضيقه،

يقول لها حقك عليّ تعالي ومش هبقي بخيل، مش هعيا تاني، ولو تعبت مش هطلب منك حاجة بس تعالي متسبينيش.

يمسك الرجل الطيب بالهاتف ويضعه على أذنه في الوقت الذي يرى الشاب عمته سناء في الفناء بعيدا تغلق الخط وهي تمسح دموعها. حقنة مهدئة يغرسها الطبيب في ذراعه، النوم أفضل له.

تغطيه سناء وتطبع قبله على جبينه وتغلق خلفها الباب، يخرج الشاب مع الطبيب بينما يقف والده أمام صورة مفيدة شاردا وهو يقول :ربنا يرحمك يا أمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى