” القول بين المباشر وغير المباشر…. حين تنتصر اللغة للقرآن ” …بقلم سمير إبراهيم زيّان


” القول بين المباشر وغير المباشر…. حين تنتصر اللغة للقرآن ” …بقلم سمير إبراهيم زيّان

في زمنٍ بات فيه التكرار سيد التأويل ، ينهض الدكتور هادي حسن حمّودي بجهد علميّ رصين ، يُعيد فيه الاعتبار للّغة كأداة للفهم لا كقيد للتأويل ، ويفتح نافذة جديدة لفهم النص القرآني عبر قراءة لغوية واعية ، تأمّلت سورة الجن وما فيها من تمايز دقيق بين القول المباشر وغير المباشر ، تمايزٌ طالما أغفله النحويون القدامى .
لقد اعتادوا أن يضعوا القاعدة أوّلًا ، ثم يسقطون النص عليها . فجعلوا همزة ” إنّ ” تُكسر وجوبًا بعد القول ، إلا إذا كان ” قال ” بمعنى ” ظنّ ” ، لكنّ الدكتور حمّودي يرى أن هذه القاعدة ليست مطلقة ، بل تحتاج إلى مراجعة جذرية .
سورة الجن كانت شاهدًا ناطقًا على ما ذهب إليه ؛ ففي افتتاحيتها يقول الله تعالى :
( فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا )
ثم تتتابع تسع عشرة آية تُفتَح فيها همزة ” أنّ ” ، رغم ورودها جميعًا في إطار القول ذاته !
هذه الملاحظة ليست شكلية ، بل تحمل أبعادًا نحوية وتأويلية عميقة . فقد تكلّف بعض المفسرين والقراء في إيجاد روابط وعطفات غير مستقرة على قواعد متكلفة ، تارةً يعطفونها على ضمير مجرور ، وتارةً يقدّرون أفعالا محذوفة مثل ” وصدقنا ” ، وتارةً يجعلونها كلها جزءًا من وحي النبي ، رغم وضوح أنها من كلام الجن أنفسهم .
وفي كل هذه المحاولات ، نلحظ غياب دليل لغوي صريح ، أو إشارة قرآنية حاسمة ، سوى خضوعهم لقاعدة كُسرت هنا بمنطق السياق لا النحو .
ما فعله الدكتور حمّودي هو أنّه أعاد الأمور إلى نصابها ، لا من باب النقض، بل من باب الإحياء . فقد نبّه إلى أن فهم القول في بنيته البلاغية – أهو قول مباشر أم غير مباشر – هو ما يُحدّد شكل الجملة التالية له ، وما إذا كانت همزتها تُفتح أو تُكسر . وهذا ما يتّسق مع البناء البلاغي للنص القرآني ، لا مع تصنيفات جامدة لا تراعي جماليات التعبير .
ولم يكتفِ الدكتور حمّودي بإثبات موضع الخطأ ، بل كشف سبب الخلافات التأويلية وتخبّط المفسرين والقراء ، محيلًا إيّاها إلى غياب هذا الفهم اللغوي الدقيق . ووعد في حلقته القادمة بمزيد من البيان في هذا الاتجاه ، مما يجعل القارئ المتذوق ينتظر استكمال الفتح العلمي لا مجرد استعراض لغوي .
إنّ ما يقدّمه الدكتور هادي حسن حمّودي في هذا المسار يُعدّ من أرقى صور الانتصار للغة حين تكون خادمة للنص لا متسلطة عليه . ويكفي أنه وضع إصبعه على موضعٍ ظلّ مهملًا في الدرس النحوي والتفسيري ، وحرّك ساكنًا ظلّ مستقرًا لقرون ، لا ليثير جدلًا بل ليقيم ميزان الفهم .
تحية تقدير صادقة لهذا الجهد اللغوي الإيماني النبيل ، الذي يرفع اللغة إلى مقامها اللائق بها ، ويعيد للقرآن سلطته البلاغية في مواجهة القراءة التراثية الجامدة .
شيء من اللغة د. هادي حسن حمّودي
القول المباشر وغير المباشر شواهد من (سورة الجن)
(1 من 2)

قرآن لغةالقول_الهمزة
أغفل النحويون التمييز بين نوعين من القول، القول المباشر والقول غير المباشر. فقد وضعوا قاعدة شاملة تقرر أنّ همزة (إنّ) يجب أن تُكسر بعد القول، إلا إذا كان (قال) بمعنى (ظن) وما أشبهها.
أرى أن هذه القاعدة بحاجة إلى تعديل. وسأجعل بدايات سورة الجن شاهدا على ما أقول. وذلك لورود الهمزة فيها مكسورة في الآية الأولى (فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا) ثم تسع عشرة (أنّ) بفتح الهمزة بالرغم من أنّها جميعا في إطار (فقالوا) (النص مرفق). ونتيجة ذلك الإغفال وَهَمُوا في فهم النص واختلفوا في تبرير الفتح أو الكسر. سأكتفي في هذه الحلقة بمثال واحد مما كتبوا مع مناقشته بإيجاز في (الملاحظات).
ورد في تفسير (….) أسماء عشرة من القرأة قال عنهم المفسّر: إنهم كانوا يفتحون همزة (أنّ) في جميع السورة. ثم ناقض نفسَه فقال: نصبوها في اثني عشر موضعا. ونقل عن أولئك العشرة أنهم جعلوا كل ذلك معطوفا على: (أنه استمع نفر) ولمّا كانت الهمزة هنا لا يجوز فيها إلا الفتح، لأنها في موضع اسم فاعل (يقصد نائب فاعل للفعل أوحيَ) فما بعده معطوف عليه وهو مفتوح الهمزة.
((ملاحظة:
هذا الفهم غير صحيح فالآية تقول (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا) وعلى تقديرهم سيكون النص: (قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجن.. وأنه أوحي إليّ أنه تعالى جد ربنا، وأنه أوحيّ إليّ أن كان سفيهنا.. إلى آخره). فهذا الربط بين تلك الآيات مع (قل أوحي إليّ أنه استمع نفر) سيجعل الآيات كلها على لسان النبي الكريم. وحقيقة الأمر أنها على لسان نفر من الجن)).
ورَوى أن بعضهم جعلها جميعا معطوفة على الهاء في: (آمنا به) وادّعى أن ذلك جاز عندهم برغم أنّه مضمر مجرور وذلك لكثرة حرف الجر مع (أن). وتقدير المعنى أي آمنا به وبأنه جد ربنا أو على تقدير محذوف: وصدقنا أنه جدّ ربنا.
((ملاحظة:
لا يعنينا هنا اختلافهم في عطف المُظهر على الضمير المجرور. ولكن يعنينا اضطرارهم لتقدير محذوف قدّروه بـ(وصدقنا) فيصبح النص: (إنا سمعنا قرآنا عجبا وصدّقنا أنه جدّ ربّنا). ولا وجه لهذا التقدير، إلا إخضاع الآية لقواعدهم)).
واستمر قائلا: وقرأها الباقون كلها بالكسر وهو الصواب ، عطفا على قوله : فقالوا (إنا سمعنا) لأنه كله من كلام الجن.
((ملاحظة:
أي إن قراءة فتح الهمزة خطأ، والصواب كسرها في جميع تلك المواضع. لسبب غريب يذكره، وهو أنه كله من كلام الجن. ومعنى هذا أننا نقرأ السورة الآن خطأ حسب هذا القول)).
وروى أن إثنين منهم فتحا ثلاثة مواضع ; وهي ( وأنه تعالى جد ربنا) (وأنه كان يقول) (وأنه كان رجال). حيث رأى هذان الاثنان أنه من الوحي، وكسرا ما بقي لأنه من كلام الجن.
وقرر: أما قوله تعالى : (وأنه لما قام عبد الله) فكلهم فتحوا إلا خمسة منهم ، فإنهم كسروا الهمزة.
((ملاحظة أخيرة:
لم يذكروا أي دليل قرآني أو لغوي على كون بعض تلك الآيات من الوحي والباقي من كلام الجن. فأقوالهم آراء شخصية. ولمّا كانت كذلك وقعت الخلافات بينهم. وفاتهم أن ثمة طريقا منبثقا من اللغة ييسّر فهم سبب فتح الهمزة في هذه الآيات وما شابهها من نصوص أخرى. وهو ما سنعرض لشيء منه في الحلقة القادمة. بإذن الله)).

