أنا و عبد الناصر … بقلم م. أحمد فؤاد الهادي

قد يبدو العنوان مستغربا، فمن أنا حتى أقرن اسمي بعبد الناصر؟!
وحتى تنجلي الأمور، فقد أردت أن أتحدث عن جمال عبد الناصر من واقع عشته طفلا في السنة الثانية من عمره عندما قامت ثورة يوليو فكنت بعيدا عن الأحداث التي كانت تفوق إدراكي حتى بلغت السادسة وأصبحت تلميذا في الصف الأول الابتدائي بمدرسة السكة الحديد بقليوب. مدرسة صغيرة ذات عدد محدود من الفصول مبنية على الطراز الإنجليزي الذي كان متماشيا مع الطراز المعماري لمحطات السكك الحديدية في هذا الوقت.
ومازلت أذكر بمنتهى الوضوح شجرة الجوافة التي كانت تظلل نوافذ فصلي ورائحتها المميزة التي كنت أعشقها في موسم الإثمار. يجمعوننا في فصل واحد لعرض فيلم عن “مصر والسودان” ومازلت أذكر مطلع النشيد الذي كان يتردد في الفيلم:
عاشت مصر حرة والسودان
عاشت أرض وادي النيل​
اهتفوا وقولوا
السودان لمصر
ومصر للسودان
وبدأت أهتم وأصغي لما يحكيه أبي عن الثورة وعن الأسطورة جمال عبد الناصر، وكان أبي عاشقا لجميع الجرائد والمجلات ويتركها أمامي أنا وأخي الأكبر نقلب فيها ونشاهد صور الزعيم التي داعبت خيالي وتربع عبد الناصر في قلبي الصغير ككل المصرين، وأدركت أنه ليس ككل من أراهم حوالي بما فيهم أبي والشيخ الأحرف ناظر المدرسة بلباسه الأزهري وطلعته المهيبة.
ورث أبي عن جدي -الشيخ الأزهري- مكتبة تعثرت كثيرا وأنا أحاول أن أقرأ ولو بعض الصفحات من كتبها التي سرى السوس في العديد منها وقد صارت معظم صفحاتها مصفرة كمريض بالملاريا، ولكن شدتني الكتب التي كان يقتنيها أبي وأذكر منها:​

سلسلة كتب (محاكمات الثورة) وكان أهم كتاب فيها هذا الذي تناول التحقيقات في قضية محاولة اغتيال عبد الناصر في المنشية وإطلاق النار عليه من قبل متهم يدعى محمود عبد اللطيف

كتاب (ملك ضد شعب) لمصطفى أمين يتحدث فيه عن العديد من المواقف التي يثبت بها أن الملك فاروق ضد الشعب .. والغريب أن هذا الكتاب صدر قبل قيام ثورة يوليو.
كان العدوان الثلاثي سنة 1956 قفزة بالنسبة لي ولأقراني حيث أصبحنا وجه لوجه مع واقع لم ندركه من قبل، عرفنا أن هناك اعداء لمصر يحاولون النيل منها، ولكننا كنا مطمئنين بجمال عبد الناصر الذي لا يقهر، لدرجة أننا كنا في تنافسنا على فعل شيء ما، يقول الواحد للآخر: لو كنت ابن جمال عبد الناصر افعل هذا الشيء.
في المدرسة – وبدون إيعاز من أحد – تجمع الصغار وأنا منهم وأحضروا قفصا من تلك التي تعبأ فيها الفاكهة وغطوه بقطعة قماش وحمله أربعة منا وخرجنا في مسيرة في الشارع نهتف: “إيدن مات في القنال واحنا ولادك يا جمال”
كنا نعرف أن أيدن هو رئيس وزراء بريطانيا، وجي مو ليه رئيس وزراء فرنسا وموشيه ديان رئيس وزراء إسرائيل وداج همرشيلد السكرتير العام للأمم المتحدة، وكلها عرفناها من حوارات البيوت ونشرات الأخبار.
استقبلنا في بيتنا خالاتي وعائلاتهن المهاجرين من السويس، وإحداهن كانت تملك منزلا فأحضرت معها السكان أيضا!
وصار البيت الكبير كخلية النحل تعطره نسمات الحب والسعادة الأحاديث بين الجميع انحصرت في أخبار الحرب في بور سعيد، وفي المساء يخرج الناس للشوارع ليشاهدوا قنابل الفسفور المضيئة (كنا نقول الفوانيس) التي تلقيها الطائرات بينما زجاج النوافذ مطلي بالزهرة الزرقاء وقد غطي بشرائط من ورق اللصق لمنع بعثرة الشظايا إذا تعرض للكسر. بين الحين والحين تنطلق صافرات الإنذار وينتشر المتطوعون في الشوارع يدعون الناس لإطفاء الأنوار.
كانت شخصية عبد الناصر المتفردة مصدر طمأنينة وقوة لدى الجميع، وفي خضم الحرب ومن فوق منبر الأزهر الشريف زأر عبد الناصر: سنقاتل … سنقاتل … سنقاتل.​
وشاع يبن الناس أن عبد الناصر رغم الحرب والضرب ذهب في سيارته المكشوفة مرتديا قميصا نصف كم إلى بور سعيد!​
ناداني أبي وكنت في الصف الأول الابتدائي مادا يده نحوي بمجلة الإذاعة التي كانت تنشر نصوص الأغاني الجديدة مشيرا إلى إحدى تلك الأغاني وهو يقول: أرني كيف تقرأ. كانت الأغنية مطلعها: “يا حمام البر سقف … طير وهفهف .حوم ورفف .. على صدر الحر وَقَفْ واحصد الغلة” بمناسبة انتهاء الحرب. فقرأتها.. فوجئت به ينفجر ضاحكا لقولي: سقف وليس “سأف”
كان أبي صديقا للمطرب محمد قنديل وأخيه كمال، فقد كان ثلاثتهم من عشاق ومالكي الموتسيكلات، وحكى لي أبي كيف غنى قنديل أغنيته الشهيرة “ع الدوار” والتي غناها بمناسبة قيام الثورة في بيتنا قبل أن تذاع في الإذاعة. وكانت إقامتنا في قليوب سببا رئيسا في رؤيتي لجمال مرات عديدة، فقطاره يمر علينا وهو ذاهب أو عائد من الاسكندرية، ولوجود أعمال حفر نفق أسفل الأرصفة كانت هناك تهدئة شديدة لمسافة طويلة، ويخرج ناصر وضيفه في العربة المكشوفة ونشاهده بجسمه وطوله كاملا هو وضيوفه ليحيي الجماهير المحتشدة على الرصيف، بل وعلى القضبان نفسها أحيانا لتحيته، فرأيته مع خروشوف ومع تيتو ومع نهرو ومع سوكارنو وغيرهم من الزعماء الذين زاروا مصر طوال عهد عبد الناصر.
كذلك كان يصطحب ضيوفه لاستضافتهم في القناطر الخيرية بالسيارة فيمر أيضا على قليوب ويخرج الشعب لتحيته وتحية ضيوفه.​

والمرة التي رأيته ملاصقا لا يفصلني عنه سوى جسم عربة القطار حيث أطل بنصف جسده تقريبا من نافذة العربة ملوحا بكلا ذراعيه للناس (وهي صورة شائعة جدا حتى اليوم) حيث كنت قريبا منه جدا وأنا أقف على الرصيف، وبلا تفكير قبضت بيدي اليسرى على جدار النافذة فأصبحت أصابعي بين جسمه والنافذة، سرت هكذا مع القطار غير منتبه لنهاية الرصيف التي أفقدتني توازني فسقطت سليما بفضل الله، وضاعت ساعة يدي!
ونقفز إلى 67 وما قبلها عندما كانت الوطنية شعلة متقدة في قلوب المصريين تلهبها دائما خطابات عبد الناصر وقراراته المنحازة لعامة الشعب من الطبقة الكادحة، فلا تكاد ترى مصريا في الشارع إذا كان الراديو ينقل له خطابا، الكل في البيوت والمقاهي والدكاكين في متابعة ومتفاعلة مع كلمات الرئيس، وتسمع التصفيق مدويا آتيك من كل اتجاه وكأن الجميع حضور حيث يلقي خطابه.​
كنت في الصف الثاني الثانوي في مدرسة قليوب الثانوية العسكرية، حيث يدرس لنا ضابط برتبة رائد يعاونه رقيب أول يعلموننا الرماية وفك وتركيب البندقية والعناية بها، كنت متطوعا في “كتائب الحراسات” التي كانت تحظى بتدريبات إضافية في مركز الشباب…حتى يوم 5 يونية الي سأحدثكم عنه وعما تلاه في لقاء لاحق بإذن الله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى