رواية فاتن

رواية فاتن

 الحلقة 3

أخيرا أخذ قراره فهاتفها: “سأكون عندك في الغد”، لم يجد منها ردًا،فظل يردد اسمها: “فاتن، فاتن، فاتن”..

 كانت الفيلّا تقبع في ضاحية راقية على أطراف العاصمة،انطلق إليها ملتاعًا وكأن روحه استُلَّت من جانبيه..

عند وصوله، لم يجد بوابًا أو أيًّا من الخدم،رن جرس الباب، انتظر ولم يأته رد، والهاتف أيضًا لا يرد..

لم يفكر، أخذ يحاول فتح باب الفيلا، وبعد محاولات عديدة استطاع كسر الكالون ودخل..

أخذ يبحث عنها في الطابق الأرضي، لم يعثر لها على أثر،صعد  السلم الداخلي بسرعة حيث حجرات النوم، وجد قبالته غرفة كبيرة عن الأخريات. قصدها، وجد بابها مفتوحًا، وعلى السرير وجدها نائمة على وجهها بلا حراك،لا يوجد في الغرفة أي أثر لاعتداء جسدي عليها،تقدَّم إليها في حذر ودقات قلبه تتسارع وأنفاسه تتلاحق؛لقد اختلطت مشاعره:

لهفة وخوفا عليها، ومحاولة حثيثة لإنقاذها مع رغبة عارمة في تحسُّسِها،وضع يده على موضع النبض أعلى رقبتها،لكن النبض غير موجود، أو هكذا خُيِّل إليه،وقعت عينه على عبوة أقراص منومة فارغة بينما تناثرت على أرض الغرفة بعضٌ من هذه الأقراص..

 فكَّر في الاتصال بالإسعاف لكنه تردد؛ فقد اعتراه هاجس أن تكون قد ماتت وسيتم اتهامه قطعا باقتحام الفيلا وربما السرقة، وغير ذلك من التهم التي لا تخطر على باله..

 تساءل:

لماذا اتصلت به ولم تتصل بالإسعاف؟ هل كانت تريد أن تراه قبل الرحيل أم أرادت أن تتطهَّر على يديه؟

 لم يجد إجابة واحدة تريح عقله المكدود..

وبينما هو في حيرة وارتباك رنا إلى مسامعه صوت آهات وتآوهات،نظر إلى مصدرها، وجدها صادرة من فم( فاتن)، أجلسها وسندها على رجليه، وتردد كثيرًا قبل أن يضرب على وجهها ضربات متتالية رقيقة،بدأت رويدًا رويدًا في الإفاقة،فتحت عينيها ببطء، نظرت إليه في وهن وقبل أن تتكلم وضع يده على فمها برفق، ونظر إليها بحنان:

 “أرجوك، لا تتكلمي الآن، أنتِ متعبة، والكلام سيرهقك أكثر، سأتصل بالطبيب  حالا، وسأطلب سيارة الإسعاف المجهزة لتأخذك لأقرب مستشفى ووو” 

قاطعته بصوت بدا له أقوى من المتوقع: – “لا، لا، أنا سأكون بخير، هي مسألة وقت فقط”

فتحت عينيها على آخرهما وابتسمت له ابتسامة رائقة، وجد أثرها في قلبه..

 معقول، أفي هذا الظرف يتحرك قلبه بأي عاطفة سوى الشفقة!

 وجدها تميل بجزعها على صدره، ساوره شعور خفي بأنها قد تعافت تمامًا، أو ربما لم يكن بها أي أذى من الأساس..

  وفجأة استدارت حتى صارت في مواجهته تمامًا، لم تترك له أي فرصة لينطق بكلمة واحدة،ثم داست على زر بجوار السرير، فانبعثت موسيقى حالمة رقيقة تصحبها رائحة ذكية تُسْكِر الأرواح..

و سرعان ما سقطت عنهما ورقة التوت وغرقا سويا في بحر اللذة حتى قاعه اللزج الآسن..

********

عاد( يامن) إلى بيته لا يطيق جسده، أخذ حمامًا باردًا، ظل يتحمم لساعة، كلما يخرج يعاود الدخول. كان يشعر وكأن الران يغطي جسده ، بل يغلف قلبه أيضًا، بل يتغلغل في كل كيانه. أغلق هاتفه وحاسوبه، وكل ما يصله بالعالم. لم يعد يرى أحدًا حتى ولو كان أمامه، عاش مع الآخرين جسدًا بلا روح، يتحرك ويسكن، يأكل ويشرب، ويلبس ويخلع، ويذهب إلى عمله ويعود يمارس حياته، لكنه ليس هو، وكأن شبحا يمثل شخصيته..

 فقد الرغبة في الحياة بعدما فقد الشغف والطهر، صارت رغبته في مغادرة الدنيا هي الغالبة. عانت أسرته من هذا التحول الغريب، عبثًا حاول المحيطون به معرفة السبب في تلك النقلة السلبية التي أصابته. كل هذا ولم يكن يعرف بعد ما تدبره( فاتن) له. لقد انقطعت صلته بها تمامًا، لم يعد يطيق سماع حتى اسمها. ظلت تطارده في منامه كشيطانة رجيمة..

********

القاعة ممتلئة عن آخرها بالمدعوين؛ اليوم فرح ابنة عم (يامن) على ابن خاله، وتقريبًا جل الحضور من العائلة من ناحية أبيه وأمه، والبسمة تعلو الوجوه والسعادة تغلف قسمات الجميع. حضر (يامن) متأخرًا، سبقته أسرته إلى هناك، جلس معهم شارد الذهن. توالت فقرات الحفل، لا شيء يعكر الصفو..

و( يامن) برغم ذلك كان شروده غير معتاد في مثل هذه المناسبات، إلا أنه أكثر من نال النصيب الأكبر من الاحتفاء والترحيب؛ولما لا، فلقد كان  أيقونة العائلة كلها وموضع احترام الكبير والصغير منها،وبرغم أنه لم يكن كبيرهم سنا، إلا أن لشخصيته الجادة الوقورة وكرمه الوافر وأدبه الجم دورها الكبير في تلك المكانة..

تصدح الموسيقى مصمة للآذان،تململ (يامن) وقرر المغادرة..

يبدو أن هناك من يراقبه..

 فجأة توقفت الموسيقى ليعلن عازف( الدي جي) عن مفاجأة الحفل: فلاشة وصلته تواً،أخبره من أرسلها إليه بأنها تحمل مفاجأة المفاجآت..

 لا يدري (يامن) لماذا توتر عند هذا الإعلان وقرر البقاء لمشاهدة المفاجأة..

على شاشات القاعة بدأ العرض، ثوان قلائل وتعالت الصيحات ثم فغرت الأفواه مشدوهة وفتحت العيون على أقصى محاجرها..

 اتجهت كل الأنظار بلا استثناء إلى بطل الفيديو غير مصدقة ما تراه..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى