حين تُطوى الأرض…. محاورة بين الإنسان والتاريخ( نص تأملي فلسفي رمزي ) بقلم سمير إبراهيم زيّان

كنت أتأمل الخرائط – قديمها وحديثها – وأشعر أن الأرض اتسعت فوق ما تحتمل ذاكرتي…. كيف لهذه المساحة الهائلة أن تُلملم كل هذا العدد من المخلوقات؟ كلٌّ يدّعي وطنًا ، وحدودًا ، وأصولًا…. ثم خطر ببالي سؤال غريب : ماذا لو كانت الأرض مطاطية ، مرنة ، قابلة للانثناء؟ ماذا لو طُويت كما تُطوى الصفحة ، واهتزّت بمن عليها؟
فمن يبقى على حاله؟ ومن يتعرّف إلى نفسه وسط الزحام؟

أنت لا تسأل عن الأرض ، بل عن نفسك .
الأرض لا تفقد شكلها ، أنتم من يفقد توازنه عند أول اهتزاز .
الهويّة ليست إسماً يُكتب في الأوراق ، بل جذرٌ في الروح ، إذا انقطع…. تهت .

ولكن، أليس من حقي أن أخاف؟ أن أتخيّل هذا المشهد العجيب؟
أن يهتزّ الكوكب كأنّه في عاصفة ، ويختلط كل شيء ، وتضيع العناوين ، وتتهاوى اللغات ، وتذوب المعتقدات في بعضها؟
ألا يصبح البشر عندها سائلًا بشريًّا لا لون له ولا رائحة؟

حدث هذا مرارًا ، لا بالجغرافيا بل بالوعي .
حين تُسرق اللغة من فم الطفل ، حين يُجبر على نسيان جدّه ، حين تُمحى ذاكرته ليُكتب له تاريخ مستعار .
الأرض تُطوى فعلاً…. كل يوم ، لكن في العقول لا في الخرائط .

إذن أنت لا تصف كارثة طبيعية ، بل كارثة روحية؟
هزيمة المعنى، وضياع الأصل؟

نعم .
النكبة لا تبدأ من الطرد ، بل من القبول بالنسيان .
والمنفى الحقيقي…. حين لا تعود تعرف من أنت ، حتى لو كنت واقفًا على أرضك .

وماذا أفعل إن أحسست أن قدمي لم تعدا تلمسان الأرض؟ إن شعرت أن العالم كله طُوي فجأة ، ولم أعد أرى وجهًا أعرفه؟
هل أصرخ؟ أم أكتب؟ أم أقاوم؟

تذكّر .
فمن يتذكّر ، يقاوم .
ومن يكتب ، يُثبت قدميه ولو طارت الأرض .
تذكّر أن الأرض ليست أرضًا إلا بمن عليها من أحرار ، يعرفون أنفسهم ولو في العاصفة .
وكلما نطقت باسمك القديم ، كلما اتسعت الأرض من جديد تحت قدميك ، كأنها تستعيد شكلها…. لأجلك .

03/07/2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى