في رحاب الله ورسوله …خاطرة بقلم ماما نوال

يا الله…

قد لا أكون الأتقى ولا الأنقى

لكنني أتيتُك شوقًا، وانكسارًا، وتعبًا، وحُلمًا قديمًا، وأمنية لا تغيب..

ما زال قلبي لا يُصدق.. أنني هنا أمام الكعبة!

هيبةٌ، وجلال، وجمال، وبهاء، ورفعة… انبهار، وانكسار.. سمو، وسكينة.

أنا أراها، ألمسها.. لا شاشة ولا حلمًا!

تمنيتُ هذه اللحظة طويلًا والحمد لله، ها أنا أطوف ودموعي تسبقني…

تتسارع الأنفاس وتنفطر القلوب وتتحرر الأرواح وتهيم حولها عشقًا.

كل شوطٍ يُشفى ألمًا ويغفر ذنبا أسترد بعضا من روحي التي أضاعها زحام الدنيا وضوضاؤها…

تنتهي الأشواط السبعة، يتعب الجسد لكن الروح تغشاها راحة وسكينة، أُصلّي الركعتين وأشرب ماء زمزم حتى أرتوي وأُهرول إلى الصفا والمروة لأسعى…

وطوال سعي بينهما أتذكر تاريخ هاجر…

خوفها ويقينها، صبرها وانتصارها…

أم عظيمة في صحراء قاحلة مع طفلها وحدهما بلا حماية ولا طعام ولا شراب..

صرخ طفلها ظمأً فهرولت وهرولت سبعًا بحثًا عن ماءٍ فتفجر من أجلها زمزم…

والآن… مثلها نركض ونركض..

لا عطشًا بل امتنانًا وتكريمًا ووفاءً لها ولسعيها…

تمرُ الأيام بين طوافٍ وسعي وصلاة وذكر في مكة الغالية…

ويأتي يوم عرفة.. أقدس ساعات الحياة حيث لا حجاب بيننا وبين السماء..

نُناجي ونبكي وندعو ونُسلم للرحمن قلوبًا أنهكها الذنبُ فأتت بالرجاءِ والأملِ في المغفرةٍ والقبولِ…

فوق جبلِ الرحمةِ… ذاب قلبي.

أرفع يدي إليك يا الله راجيًة أن تغفر لي ولكل من أحب.

ما عاد لي رغبة في هذه الدنيا إلا رحمتك ورضاك، وحجًا مبرورًا.

دعوتك يا الله بكل لغات القلب..

بالكلمات والدموع والصمت والرجاء.

حدّثتك عن أولادي.. عن أمي.. وأبي وأختي وأخي وطفلٍ فقدته وحلمٍ تاه مني وذنوبٍ لا يعلمها إلا أنت يا أرحم الراحمين.

ودعوتك يا الله أن تتولى مَنْ ظلمني ومَنْ آذاني وتجبر خاطر من جبر خاطري…

غربت شمس عرفة وتوجّهت قلوبنا المشتاقة إلى مُزدلفة… نجمع الجمرات سلاحنا في معركتنا مع الشيطان الرجيم.

نرجم بها كل ذنب وكل ضعف وكل وهم وكل خوف.

جمعتُ الحصى وتشهد النجوم على دموعي ورجائي وسعادتي فكم أكرمتني يا الله ان اكون هنا.

الحمد لك والشكر لك يا حبيبي يا الله..

وبعد الفجر واصلنا رحلتنا العظيمة إلى مِنى.

أشرق العيدُ ينشر نورَه وبهجتَه على قلوبِنا

والهَدي يُنحر فداء ورجاء..

وبدأنا رمي الجمرة الكبرى…

طريقٌ طويل ملأناه ذكرًا وصلاةً على النبي ودعاءً بالرحمة والمغفرة.

رجمنا الشيطان اللعين.. بسم الله الله أكبر!

يا رب أعنا وانصرنا عليه.. رميته بكل ما عانيت.. بغضبي وقهري على كل ما ضاع من أعمارِنا بكل ذنوبٍ زينها لنا…

وتوالت أيام الرجم واستعادة القوة الروحية..

تعجلنا، وعدنا إلى الحبيبة الغالية…

النظرة لها عبادة والحنين لها لا يهدأ والشوق لا ينطفئ..

طواف الإفاضة.. طواف العائد إلى الحياة.

وسعي جديد لحلمٍ جديد…

وخاتمة الحج المجيد..

وتكتمل أركان الحج: ” اليوم أتممت لكم دينكم”

ثم تأتي اللحظة الأصعب… طواف الوداع

طوافٌ ينخلع معه القلب..

وداع… وداع…

كيف أودع مكانًا صار لقلبي وطنًا، واستعدتُ فيه روحي؟

سأعود.. أعدك يا رب إن كتبتَ لي عمرًا سأعود مرارًا وتكرارًا.

انهمرت دموع الوداع أنهارًا…

ومسك الختام… المدينة موطن الحبيب ووطنه المختار وطلع البدر على ارواحنا فانارها.. والسلام عليك يا حبيبي يا رسول الله…

جئتُك بحبّ الكون ورجاء الشفاعة وأمل الصحبة في الفردوس الأعلى وشربة هنيئة من يدك الكريمة لا أظمأ بعدها ابدا.

في رحابك ياحبيبي… الطمأنينة والسكينة والراحة.

والله على أعظم مكافأة… الروضة الشريفة روضةٌ من الجنة يا حبيبي.

سلمتُ عليك وصلّيت ودعوت وبكيت… وحكيت فارتحت..

وحان الوداع…

دموع لا تتوقف وأمل لا ينتهي..

وها أنا أعود لوطني لكن قلبي ما زال هناك، يتوق شوقًا للعودة.. فمن ذاق حلاوة القرب لا يرضى أبدًا بالبعد.

يا رب لا تجعلها الأخيرة وارزقنا العودةً عاجلا غير اجل …

ما أعظمها رحلة… تبدأ بالدعاء وتنتهي بالبكاء… تبدأ بالشوق وتنتهي بالرجاء…

رحلة تُعيدنا بشرًا أنقى وقلوبًا أوفى وأرواحًا أكثر قربًا من الله ورسوله…

يا رب ثبّتنا على حبك وحب حبيبك يا أرحم الراحمين.

زر الذهاب إلى الأعلى