“حين يُصبح البيت منفى”مقال_ بقلم :منى الشوربجي

ليس دائمًا يكون العدو خارج الأبواب، ففي بعض البيوت، يُولد العدو في هيئة من يُفترض به أن يكون ملاذًا. هناك أبناء، كثيرون، لا يُقابلون في بيوتهم سوى بسوء الظن، وكأنهم متهمون دائمون في محكمة لا تعترف بالبراءة، مهما فعلوا.

ينشأ هؤلاء الأبناء تحت وطأة نظرات تفتش فيهم عن الخطأ، وتغضّ الطرف إن أبدعوا. يخطئون، كبشر، كأطفال وكشباب، فإذا بهم يُوبخون توبيخًا لا يتناسب لا مع حجم الخطأ، ولا مع نواياهم. وإن أحسنوا، لا يسمعون سوى الصمت، أو يُقال لهم: “هذا واجبك”، كأن الامتنان ضعف، وكأن التشجيع دلال غير مبرر.

يعيشون في عالم يُطلب منهم أن يكونوا أقوياء، مستقلين، واثقين، بينما الداخل مهزوم، هش، مثقل بندوب التنقيص، وجراح المقارنات. فما بين النهر اليومي والتقليل من شأنهم، تتآكل ثقتهم بأنفسهم شيئًا فشيئًا، ويصير العالم الخارجي امتدادًا لحبسٍ داخلي لم يروه إلا في عيون والديهم.

وهنا تكمن المأساة الفلسفية: كيف يُنتظر من إنسان لم يُشعِره بيته بالأمان أن يحمل مسؤولية حياة؟ كيف لأحد أن يبني ذاته إذا كانت البذرة نفسها قد زُرعت في تربة من الشك واللوم؟ هل يمكن لعقل لا يعرف إلا الخوف من الخطأ أن يبتكر، أن يتجرأ، أن يغامر في الحياة؟

نحن ننسى، أو نتناسى، أن الكلمة مثل السهم، تُصيب وإن لم تُر. أن الاستخفاف المتكرر بالطفل أو المراهق، هو طمس لهويته قبل أن تتشكل، وتكسير لجناحين لم ينموا بعد. فمن يزرع في أولاده الشعور بأنهم عبء، وأنهم دائمًا مخطئون، يخرج للعالم أشباه بشر، يعتذرون عن وجودهم، يطلبون الإذن ليحلموا، ويخشون من كل قرار وكأنه خطيئة.

إن هؤلاء الأبناء، في الحقيقة، ليسوا ضعفاء بطبعهم، بل صُنع فيهم الضعف صنعًا. هم كالنبتة التي سُقيت كل يوم بماء مالح، فذبُلت، لا لأنها لا تصلح للنمو، بل لأن من سقاها لم يُحسن السقي.

وكم من عبقري دُفن في صمت بيتٍ لا يعرف المدح؟ وكم من قائد محتمل صار تابعًا خائفًا لأن والده لم يرَ فيه إلا عيبًا دائمًا؟ كم من أم المستقبل صارت امرأة مكسورة، لأن أمها لم ترَ فيها يومًا جمالًا يستحق الثناء؟

البيت، أيها القارئ العزيز، ليس جدرانًا، بل أول مرآة يرى فيها الإنسان صورته. فإن كانت مشوهة، فسيرى نفسه مشوهًا أينما ذهب. أما إن كانت مرآة محبة، صدق، ودعم، فسيرى العالم باسمه، لا باسمه خائفًا.

فلنتذكر جميعًا أن أول الثقة كلمة، وأول الأمان حضن، وأول نجاح هو أن يشعر الابن أن هناك من يراه فعلًا، ويقدّره، لا من ينتظر فقط أن يُخطئ ليؤكد شكوكه فيه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى