سلسلة مقالات من أجل أبنائنا : المقال الثامن” مرحلة المراهقة رحلة مليئة بالمفاجآت “بقلم د/ سعاد عبد السميع حسين

  • من غير الممكن أن نربي الأبناء عبر اعتماد وصفة عادية، فليس هناك وصفات لتربية الأبناء، فلكل منا تجربته مع أبنائه وهم يكبرون أمام أعيننا، ولكن ما يتم طرحه في كل مرحلة هو التأكيد على أمور قد تتطلب رعاية ولفت الانتباه لأساليب قد تأتي بسلوكيات غير مرغوبة.
  • إن فهمنا لعملية نمو الإنسان ومظاهر هذا النمو وآثاره تجعلنا نكتشف الطريقة الصحيحة في التعامل معه حسب كل مرحلة بما يلائمها وينسجم معها.
  • ومن هنا نوجه كلمة لكل مربي.. فترة المراهقة تعتبر فترة متميزة في النمو الإنساني، فهي طليعة لمرحلة جديدة، وتؤثر على مسار حياة الانسان وسلوكه الاجتماعي والخلقي والنفسي فيما بعد، ونظرا لأهميتها علينا أن نوليه رعاية أفضل وتربية أدق، ولكل منا دور رئيس حتى نساعد المراهق على المرور منها بأمان، وهذا ما نطرحه بمقال اليوم.

  • مما لا شك فيه أن مرحلة المراهقة من المراحل الصعبة في حياة الأبناء، فهي تتسم عند البعض بالقلق والاضطراب، بينما يجتازها آخرون بمزيد من الحرص والحذر، وإن لم يكن لديك فهم لمتطلبات هذه المرحلة فقد يؤدي ذلك لسلوكيات غير مرغوبة لدي المراهق، فالعالم الذي عاش فيه الآباء عند مرورهم بمرحلة المراهقة يختلف عن العالم الذي يعيش فيه المراهق الآن، ولكنه بدعمك وتفهمك سيجتازها بسلام.
  • وتجدر الإشارة إلى أنها مرحلة انتقالية تقع بين مرحلة الطفولة الهادئة، ومرحلة الشباب التي تسلم المراهق إلي الرشد والنضوج؛ وتعتبر مرحلة الاقتراب من النضج وليس النضج نفسه، ففيها يحدث النضج الجسمي والعقلي والانفعالي والاجتماعي لدي المراهق دون الاكتمال الفعلي، ويختلف المدى الزمني في بدء المراهقة وانتهائها من شخص لآخر، كما تختلف مظاهرها تبعاً للمراهق والبيئة المحيطة به، ومن المهم للأب والأم والمؤسسة التربوية الإحاطة الكاملة بمتطلباته وما يعتريه من تغيرات جسمية ونفسية وسلوكية.
  • بات من الواضح أن المراهق يتطلب الكثير من الاهتمام به وتفهم حاجته للسند والدعم، وتقدير احتياجاته؛ نظرا لأنه بمرحلة انتقالية وفترة حرجة، وجدير بالذكر هنا أن أسلوب تعامل الأبوين مع المراهق يؤثر عليه تأثيراً كبيراً؛ فإذا أحسن الأبوين التعامل معه تنتهي بأفضل النتائج وهي الشخصية المستقلة الخالية من الاضطرابات النفسية، والعكس إن تعاملا معه بجهل يكون الناتج مراهق يتصف بالعدوانية والعناد والشخصية المضطربة؛ الأمر الذي يتطلب منهما الانصات له فالاستماع إليه مهارة، والاهتمام بشئونه ونشاطه في المقام الأول، ويجب تشجيعه لا السيطرة حتي يشعر بأهمية وجوده لديهما، فلا تربيه على الخوف بل على أن يحبك ويحترمك، فازرع فيه لكي تحصد منه. فـك شفـرة المراهق.. والبحث عن الهوية
  • هنا يمكن القول إن المراهق تتولد لديه الرغبة في تأكيد ذاته واستقلاليته وخاصة عندما يعتقد الأهل بأنه مازال صغيرًا، فنجده يبحث عن الهوية الشخصية – أي يبحث عن ذاته ووجوده في محيطه الأسري ومع المقربين منه، ويحاول جذب انتباههم بكافة الوسائل، فإن استطاع أن يتميز بشيء جيد مثل التفوق في الدراسة أو أي نشاط يستهويه (موسيقي، شعر، نشاط رياضي،، ) ‎وإن لم يستطع فقد يلجأ لافتعال المشاكل والمشاجرات مع الأهل والأصدقاء لكي يلفت الانتباه اليه.
  • ولا أحد ينكر أن من أبرز سمات هذه الفترة الانفعالات الشديدة والتي قد لا تتناسب مع المواقف، وحتى على أبسط الأمور، كما أن مزاجه نجده متقلب – أحيانًا ثائر، وهادئاً أحيانًا أخرى- الأمر الذي يفقده القدرة على إصدار الأحكام المناسبة أو التفكير باتزانٍ، وقد لا يتقبل النصائح من الآخرين؛ الأمر الذي يتطلب حل مشكلاته الانفعالية قبل أن تستفحل.
  • وعلينا أن ننتبه إلى أن المراهق يتسم أحيانا بالعناد نتيجة التساهل والتدليل الزائد في وقت سابق ثم منعه فجأة، فنجده لا يتقبل هذا الأمر الذي ننميه منذ الصغر من كثرة الترديد على مسامعه (أنت عنيد!) فنرسخ في ذهنه فكرة أنه طفل عنيد فيستمر بالتصرف وفقاً لذلك عند وصوله مرحلة المراهقة.


بنـاء جسور الثقة والتواصل مع المراهق.

نصيحة الي كل من يعني بتربية المراهق أفتح له قلبك بفتح باب المناقشة العادلة الواعية الدقيقة، وخاصة مع المراهق العنيد، ولا تضيق أو تتبرم بمناقشاته وتساؤلاته؛ لأنه يميل الي مناقشة كل فكرة تعرض عليه، فعليك كمربي أن تلبي فضوله حول كل ما يحير عقله ولا تضع الحدود أمام تساؤلاته حتى وإن كانت مزعجة، كما أنه بحاجة لمتابعة مستمرة، ونصائح قصيرة، وليس محاضرات طويلة. فاستمع له بصدر رحب وتفهم مشاعره دون إصدار أحكام، وكون صداقة معه وكن صديقه الذي يلجأ اليه بدلا من الغير. فلا تتركه فريسة للآخرين.

ربما يترتب على نمو المراهق شعوره بالقلق والتوتر فهو قد يقلق على مستقبله ويشك في قدراته وكفاءته؛ ويقلق حتى من شكله أحيانا أو يشعر بالكآبة وعدم الرضا عن نفسه، وأنه لم يعد مرغوباً فيه، ويلجأ للعزلة والبعد عن الآخرين؛ وحتى يمكنه التعبير عن نفسه دون خوف أو انتقاد من المفيد آلا تذكره بعيب فيه مثلا طويل، قصير، سمين، نحيف، مما قد يسبب له اذي نفسي، كما يتطلب الأمر مساندته والوقوف إلى جانبه وليس ضده فيما يصدر عنه من سلوكيات قد تبدو غريبة؛ و عدم التنمر عليه وينبغي آلا تحدثه بأسلوب غير لائق أمام الآخرين أو إحراجه بكلمات مدمرة نفسياً مما قد يعرضه لنقد الآخرين وبالتالي يزيد من قلقه وارتباكه.

انتبه إلى هذا المراهق فقد أثبتت بعض الدراسات وجود علاقة ارتباطية بين الذكريات السلبية لدى المراهق وشعوره بالقلق تجاه أحداثٍ معينة، وبين الاكتئاب، الأمر الذي يتطلب إبعاده عن القلق والتوتر.

لسنا بحاجة الي التأكيد أن الحزم مطلوب معهم في هذه المرحلة، وأيضا مطلوب التغافل عن بعض السلوكيات السيئة بتجاهلها وإظهار ردة فعل بعدم الرضا، ثم نتركه ليراجع نفسه، فهناك مواقف قد لا تتطلب التركيز عليها. الأمر الذي يتطلب هنا أن تفتح له طريقاً يخرج منه كريماً بدلًا من أن تحرجه وتثير عناده؛ فحتى تسهل الأمر عليه آلا تغلق أمامه كل منافذ الهروب فحينئذ إما أن يهرب منك أو يتخذ منك موقف عدائي – فقط أحياناً أعطيه الفرصة بالتغافل لكي يهرب منك بكرامة فهذا أفضل له.

ربما تشعره إصدار الأوامر له بعدم تقدير ذاته، وإهانته والاستخفاف بقدراته العقلية، وخاصة حينما نأمره بطريقة فيها تهديد، فهذا لا يجدي نفعا، والبعد عن القسوة التي قد تظهر في كلام الوالدين أو على ملامح وجوههم.

حقاً كثرة العقاب تقضي على الشعور بالأمان – العقاب له وقته ومكانه، ولكن مهم آلا يكون أول اختيار ولا أكتر شيء نستخدمه مع المراهق، ولا تحاول أن تحرجه أمام الناس بدافع المعاقبة؛ بل كن له سند وساعده على تخطي الصعوبات والتعامل مع الضغوط والتحديات التي تواجهه، فهذه الفترة بدعمك وتفهمك سيجتازها بسلام.

فيما يخص الناحية الدينية للمراهق، نجد أن لديه صراع نفسي بين طريقي الإيمان وبين الرغبة في التحرر من كل القيود والالتزامات، ولا يتقبل المفاهيم الأخلاقية دون أن يقتنع بها، ولذا من المهم توجيه توجيهاً سليماً والابتعاد عن السطحية والضحالة في تقديم الأمور الدينية ومناقشة القضايا الايمانية معه بعمق أكبر، والاجابة على تساؤلاته بصدق.

في هذا الصدد نجد رغبته في الانتماء للمجموعة، وقد يواجه ضغطًا للتوافق معهم حتى لو كان ذلك مخالفًا لقيمه. فالمراهق يشبع حاجته للمكانة من خلال جماعة الأقران ويتأثر بهم، وقد يكونوا من العوامل التي تؤدي إلى انحرافه إذا كانوا من رفقاء سوء وخاصة إذا كان ضعيف الشخصية، لذا وجب رعاية أبناؤنا رعاية حقيقية تمكنهم من معرفة من يخالطون، وتوجهيهم في اختيار الرفقة الصالحة، وتكوين علاقات أكثر نضجاً من الأقران الأسوياء ومتابعتهم.

من شبه المؤكد أننا أحيانا قد نصنع أحزاب داخل الأسرة؛ فنجد الأب أو الأم مقرب من أحد الأبناء ويهمل الآخرين، ومما لا شك فيه أن المراهق يحتاج السند والرعاية الحقيقية، وقد لا يطلب ذلك ولكنه في قراره نفسه يريد أن يجد نفسه أنه محل الاهتمام وخاصة من أسرته؛ حتى لا يبحث عن ذلك مع رفاق تعطيه هذا الاحتياج. فأحرص على العدل والمساواة بين الأبناء لتبني في أعماق كل منهم ثقته في ذاته وثقته في مكانته داخل الأسرة، ويمكن هنا تخصيص وقت أسبوعي لكل منهم، وإيداع كل واحد منهم أسرار خاصة بينك وبينهم، وملاحظة الايجابيات وتقليل النقد. وهذا ما يحتاجه منكم على المدى الطويل لتخطي مرحلة المراهقة.

ليس هناك من شك أن مرحلة المراهقة رحلة مليئة بالمفاجآت، وهم بحاجة إلى قدوة حقيقية، وقدوة الأبناء أبويهم فلا تطلب منه ان يكون أفضل ان لم يكن أنت الأفضل، فقد يبدو أن المراهق لا يأبه لأفعالك، ولكنه يقتدي بك خفية، فعلينا ان نكون قدوة حسنة لهم، وصلاح الأبناء من صلاح أهلهم. ومن الواجب أن نضع أبنائنا على الطريق الصحيح، وأن نتحمل ما يمر به المراهق بصدر رحب، وعقل واع؛ وأن نصادقه ونتفهم ما يمر به من تغيرات نفسية واجتماعية وعقلية وسلوكية.
فما الذي نحيا لأجله إن لم يكن لجعل حياة أبناؤنا أقل صعوبة

انتظرونا … ومعا خطوة بخطوة من أجل أبنائنا

تحياتي… دكتورة/ سعاد عبد السميع حسين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى