٠ثورة يوليو في عيدها الـ73: هرم مصر الرابع …. مقال بقلم رئيس التحرير الصحفي أشرف الجبالي

ثورة يوليو في عيدها الـ73: “هرم مصر الرابع ” – مقال بقلم رئيس التحرير الصحفي أشرف الجبالي

في فجر الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، استيقظت مصر على وقع بيان عسكري مقتضب، أعلن نهاية عصر وولادة عهد جديد. لم يكن البيان مجرد إعلان لحركة ضباط، بل بداية لثورة وطنية شاملة، أرادت أن تعيد لمصر كرامتها، ولشعبها حريته، ولوطنها سيادته المسلوبة. واليوم، ونحن نحتفل بالذكرى الثالثة والسبعين لثورة يوليو، نعيد قراءة هذا الحدث الجلل، ليس من باب الحنين، بل من باب الاعتراف بفضل جيل صنع استقلالنا الحديث، ووضع حجر الأساس لمشروع الدولة الوطنية.
نهاية الاحتلال وبداية الاستقلال
لقد أنهت ثورة يوليو أكثر من 70 عامًا من الاحتلال البريطاني، الذي لم يترك للمصري سوى القهر والفقر والجهل. حوّل الاستعمار الوطن إلى مزرعة قطن تخدم مصالح الأجانب، وسلّم مقاليد الحكم لملكية فاسدة.
لكن الثورة، بقيادة الضباط الأحرار ومن ورائهم الشعب، قررت أن تعيد كتابة التاريخ. طُرد الملك فاروق، وأُعلنت الجمهورية، وبدأت معركة الكرامة.
وكان تأميم قناة السويس في عام 1956 لحظة فاصلة، أعلن فيها الرئيس جمال عبد الناصر أن مصر أصبحت سيدة على أرضها، مما أشعل العدوان الثلاثي. لكن الشعب صمد، وانتصر، وانتزع احترام العالم.
مشروع عدالة اجتماعية واقتصاد وطني
لم تكن ثورة يوليو مجرد بيان سياسي، بل مشروع وطني متكامل. فقد:
وزعت الأراضي على الفلاحين عبر قانون الإصلاح الزراعي
فرضت مجانية التعليم في جميع مراحله
أنشأت نحو ألف مصنع في مختلف القطاعات
توسعت في الرقعة الزراعية بما يزيد عن 2 مليون فدان
أطلقت أكبر مشروع تأمين صحي شامل للمواطنين
كل هذه السياسات كانت تهدف إلى خلق طبقة وسطى قوية، ورفع الفقراء من هامش المجتمع إلى قلبه، وهو ما تحقق على مدار سنوات.
مصر بعد الثورة: منارة للأحرار في العالم
تحولت القاهرة بعد يوليو إلى عاصمة لحركات التحرر الوطني.
احتضنت مصر ثوار الجزائر، ودعمت ثورة تونس، وساندت السودان، ووقفت مع الشعوب الأفريقية والآسيوية، وكانت ملهمة لزعماء مثل كاسترو في كوبا، ونيريري في تنزانيا، ولومومبا في الكونغو.
وصار اسم عبد الناصر يقترن بكل نضال ضد الاستعمار، بل صار وجهًا للثورة على مستوى العالم الثالث بأكمله.
وكانت مصر إحدى الدول المؤسسة لحركة عدم الانحياز، التي حاولت أن توازن بين معسكري الحرب الباردة وتمنح الشعوب المستقلة صوتًا مستقلًا.
السد العالي.. ونكسة لم تُسقط الحلم
من إنجازات الثورة التي لا تُنسى مشروع السد العالي، الذي حمى مصر من الجفاف، ورفع قدرتها على الزراعة وتوليد الكهرباء.
لكن الطريق لم يكن سهلًا، ففي عام 1967، واجهت مصر نكسة عسكرية كبرى، بدعم وتخطيط من قوى استعمارية استهدفت كسر روح الثورة.
لكن الشعب لم ينكسر، وخاض الجيش حرب الاستنزاف، وتمسك بالاستقلال، حتى جاءت حرب أكتوبر 1973 لتثبت أن روح يوليو لم تمت، وأن المشروع الوطني ما زال حيًا.
ثورة الشعب لا النخبة
ثورة يوليو لم تكن انقلابًا عسكريًا كما يحاول البعض تصويرها، بل كانت ثورة اجتماعية وإنسانية شاملة.
هي ثورة الفلاح الذي استرد أرضه، والعامل الذي نال حقه، والطالب الذي وجد في التعليم المجاني طريقًا للصعود.
إنها ثورة من أجل الإنسان المصري، قبل أن تكون صراعًا على السلطة أو النفوذ.
الهرم الرابع لمصر
بعد 73 عامًا، لا تزال ثورة يوليو واحدة من أعظم محطات التاريخ المصري الحديث.
هي لا تقل أهمية عن طرد الهكسوس، أو حفر قناة السويس، أو بناء الأهرامات.
لقد وضعت الأساس لمصر الجمهورية، ومثّلت لحظة وعي وطني جامع، أعادت تعريف مفهوم الدولة والعدالة والكرامة.
ومن هنا، فإنني أراها — وبكل قناعة — “الهرم الرابع” لمصر، هرم الإرادة والسيادة والكرامة الاجتماعية، الذي سيظل شامخًا يشهد على عظمة المصريين، كلما أرادوا النهوض من جديد.
وفي هذه الذكرى العظيمة، نضيء شمعة على قبور من صنعوا هذه الثورة، رجال وهبوا أعمارهم للفكرة، وخاطروا بكل شيء من أجل الوطن، وتركوا لنا إرثًا من الكرامة لن ننساه.
هذه رؤيتي، وأرحب بكل الرؤى الوطنية المخلصة، فمصر تسع الجميع، والثورة ملك شعبها.
مع خالص تقديري ومحبتي،
رئيس التحرير
أشرف الجبالي
