” وجدتها” قصة قصيرة بقلم/ محمد كمال سالم.

علي متن الطائرة المسافرة إلي أرض الرجاء، وبعد أن انتهت عملية الإقلاع، فككت حزام الأمان، هدأت ثم بدأت أبحث عنها.
تلك الجميلة التي جلست على يساري.
وجدتها
حال بيني وبينها مقعد واحد، يجلس عليه شاب وسيم، ذي وجاهة وأناقة، تدل علي أنه ذو حظوة في المجتمع.
رُحت أسترق النظر إليها،في جِلستها الأنيقة ووجهها الهادئ،متدثرة في معطفها الأحمر وكوفيتها السوداء، في وداعةِ، مالت أهدابُها الكثيفة علي صفحاتِ كتاب تعانقُ كلماتهُ.
وجدت الشاب يفعل مثلي، يسترق النظر إليها، وبدا عليه انشغاله بها، رَفَعت شعرها المسترسل عن جبينها، لمحتنا في نظرةٍ عابرة، ثم عادت تتابع قرائتها في غير اهتمام لكلينا.

حاولت أن أغض الطرف عنها، فلا يجوز لمثلي أن يتصرف بصبيانية، غضضت بصري، وظل عقلي وبالي عندها.
فتبسمت لحالي في اللحظة التي وقع نظرها عليّ، فظنت أني أبتسم لها!!
فأغلقت كتابها،ثم مالت علي الشاب الجالس بيننا، وقالت له شيئًا، انتبه لها باهتمام، ثم سرعان ماتبدل اهتمامه لامتعاض، وهو يترك مقعده لها،وتستقر جواري، بينما هو ينتقل لمقعدها.

فاجأني تصرفها، هممت للترحيب بها في وجل، خشية أن تواجهني بما يحرجني.
جلست بزاوية لمواجهتي، وأنا أترقب حديثها، هزت رأسها تعيد شعرها الناعم للخلف وقالت متجهمة:
ـ فيم ابتسامك؟!
ـ فقط تذكرت أمرًا أضحكني.
ـ هذا يعني أني غير جديرة بابتسامتك؟
وقفت الكلمات بحلقي وتلعثمت ولكني بادرتها:

  • حاش لله،بل محياك يجبر المرء الابتسام.
    ـ إسمي أمل ومدت يدها لسلام.
    فسلمت عليها قائلًا:
    ـ أحمد تشرفت.
    ـ رأيتك ترمقني باهتمام فكرت أن اقترب، حتي لا يفوتك شئ.

كلماتها الناعمة شجعتني أن أسترسل في الحديث:

  • وجهك الرائق وعينيك البراقة الذكية وهذا المحيا…
    قاطعتني:
    ـ هذا غزل إذًا؟
  • أقصد أن سَمتك وليس جمالك فحسب لا بد وأن يثير انتباه أمثالي.
    قالت مداعبة:
    *متي ستقول انك احببتني من اول نظرة، فضحكت كثيرا ثم.
  • لقد قلتها منذ أن رأيتك للوهلة الأولي، ليس مهمًا أن تسمعيها ،الحب عندي ليس كلمات غزل، أو علاقة عاطفية يخبو وهجها سريعا، الحب أسمى من أن يختذل في كلمة من حرفين.
    اتسعت ضحكتها، تعانقت ضحكاتنا.
    قفز الشاب الوسيم برأسه أمامنا قائلًا لها:
    آنستي.. أنا أيضًا مهتم لأمرك وأريد أن اتحدث إليك من فضلك.
    قالت له: هل تعرفني؟!
    ثم ألا تراني مشغولة مع حضرته وأشارت بيدها نحوي، فتقهقر الشاب في مقعده خجلا، حتي أشفقت عليه.
    قلت لها:
  • يبدوا اهتمامه حقيقيًا.
    قالت :وماذا عنك؟
  • ابتسمت لها وقلت:
    حين تصبحين مثلي، سيكون لديك فطنةتستشعرين بها صدق النظرات وكذبها.
    ـ نحن في الحاضر، كيف أعرف أنا الآن من يحبني حقًا، وإن كثر طلاب ودي؟
  • حذارِ الناس في الدنيا يدعون الفضيلة، والحب مصيدة الحاذقين ،أراكِ أبعد من ذلك.
    ـ وأنت؟
    -ضحكت طويلًا:
    ـ أنا أول الحاذقين، فشاركتني ضحكي.
    ـ تبدو معذبًا.
  • لهذا أتيت لبلاد الرجاء، وأنتِ، فيم ذهابك؟
    ـ أبي يعمل هناك هو ينتظرني في المطار.
  • إذن،فرصة جيدة لأخطبك منه.
    ضحكت كثيرًا كثيراحتي انتبه كل من في الطائرة، ثم أعلنت مضيفة الطائرة ربط الأحزمة، فقد أوشكنا علي الهبوط.

قالت وهي تربط حزامها:
كم ستمكث هناك؟

  • ربما أعود علي اول طائرة عائدة.
    نظرت إلي في دهشة:
    وفيم مجيئك إذا؟
  • لعلي قد نسيت أشياء خلفي، وماعاد عندي الكثير من الوقت، وأشرت للكتاب في يدها:
    لحظة أن تدركين الحب، وقتها يتجاوز هضبة الهرم، بل كل الهضاب المادية.
    نظرت لكتابها وتنهدت:
    الحب فوق هضبة الهرم!!

هبطت الطائرة أرض الرجاء، نستعد للمغادرة، ينظر الشاب الوسيم للفتاة متوسلًا:
آنستي أرجوكِ.
هنا همست لها:
هل والدك بانتظارك حقًا؟
أومأت برأسها نعم.
قلت له: والدها في انتظارها، إذا كنت تريده.
ضَحِكَت في خجل، ومدت يدها إلي قائلة:
ـ هلُم يا خبير الحب، هاتها عصاك العجوز أساعدك علي النزول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى